في قصة خيالية يروى أنه كان هنالك نجار يترك أغراضه وأدواته على طاولة العمل في ورشته بعد أن ينهي أشغاله كل يوم. وفي أحد الأيام دخلت أفعى إلى الورشة في المساء بعد أن غادر النجار لتبحث لها عن طعام تأكله أو فريسة تلتهمها. وبينما الأفعى تزحف فوق الطاولة تعثرت بالمنشار مما أحدث لها جرحاً بسيطاً في جلدها. غضبت الأفعى وقررت أن تنتقم من المنشار، فهجمت عليه لتعضه بفمها وتبث فيه سمومها القاتلة. ولكن كانت النتيجة أن الدماء سالت من فمها الذي جرحته أسنان المنشار. لم تتعلم الأفعى من دروس الآلام والجراح التي أصابتها وأصرت على الأخذ بالثأر والانتقام من المنشار فقررت أن تخنقه وتلتف عليه بجسدها لتقضي عليه تماماً، والذي حصل أن المنشار قطعها إرباً إرباً ومزقها شر تمزيق لتموت الأفعى..

لو عاد الزمن بالأفعى، لما تهورت وجرحت نفسها وأهلكتها في معركة بلا معنى للانتقام من المنشار بسبب جرح طفيف وسطحي كان يمكن أن يلتئم ويختفي ألمه بعد فترة قصيرة من الزمن. في الواقع، قصة الأفعى تذكرنا بحال الكثير من القادة والمديرين المتهورين أو الانفعاليين الذين يضيعون أوقاتهم وجهودهم وموارد المنظمات وفرق العمل في قضايا تافهة وجانبية بلا قيمة كان يمكن تجاهلها والتغافل عنها للتركيز على ما هو أهم وأكثر أولوية. ويعبر السيد مارك ماسون في كتابه الشهير (فن اللامبالاة) عن ذلك بقوله: "عندما تكون لنا قيم سيئة أو معايير سيئة نضعها لأنفسنا وللآخرين، فإننا نهتم اهتماماً زائداً بأشياء لا أهمية لها… وأما عندما نختار قيماً أفضل فإننا نكون قادرين على توجيه اهتماماتنا إلى أشياء أفضل".

يقودنا هذا الحديث لقصة عن أستاذ جامعي دخل على طلابه وسألهم: "لو كان مع أحدكم مبلغ 86400 دولار، وحصل أن أحدهم سرق منكم 10 من الدولارات، فماذا ستفعلون؟ هل ستلاحقونه لتستعيدوا العشرة دولارات وفي يدكم 86390 دولاراً أم أنكم ستتجاهلون ذلك السارق وتكملون طريقكم؟". أجاب جميع الطلاب وبلا تردد: "طبعاً أتركه وأحتفظ بمبلغ 86390 دولاراً المتبقية". فرد عليهم الأستاذ: "لكنكم واقعياً فعلياً تطبقون العكس تماماً، وجميعكم ستضيعون 86390 دولاراً لأجل العشرة دولارات المسروقة. في الحقيقة، الـ86,400 دولار هي عدد الثواني في كل يوم. والواحد منا بسبب تصرف سيئ أو كلمة تغضبنا لا تأخذ عشر ثوانٍ، يظل طيلة اليوم منفعلاً ومهموماً أو بكلمة أخرى يضيع 86390 ثانية بسبب 10 ثوانٍ فقط!". وكما يقول شكسبير: "التدقيق في أتفه التصرفات قد يهوي بك إلى الجنون، لذلك تغافل مرة وتغابى مرتين".

وختاماً، تذاكى في همتك وطموحك تجاه الأهداف السامية والعظيمة وحارب بكل قوتك سعياً وراءها. وفي الوقت نفسه تغابى مع كل من وما يمكن أن يشغل وقتك وجهدك وتفكيرك في معارك هامشية وتافهة لا قيمة لها.

وباختصار، لا تكن مثل الأفعى!