أنجبت بلدة "أثيثية" بالوشم بعض الأعلام والشخصيات والوجهاء في القديم والحديث، ومن هؤلاء الذين أنجبتهم هذه البلدة العريقة المجيدة القيادي المُحسن عبدالرحمن بن سليمان بن سويدان -رحمه الله- الذي كان أحد الأوفياء لمسقط رأسه -أثيثية- ولأهلها، فلم ينس طفولته وصباه في تلك القرية التي أحبها وتعلق فؤاده بها، فقد خرج منها وهو شاب لا يتجاوز عمره العشرين ربيعاً، ولأول مرة يرحل عن قريته التي شرب مائها وأكل من طعامها وخالط دمه الشغف بها، وتحدث خالد بن عبدالرحمن السويدان عن سيرة والده ومنه أخذت هذه المعلومات.

وُلد عبدالرحمن بن سليمان بن سويدان بقريته أثيثية عام 1331هـ، ونشأ بين أسرته في هذه البلدة مثل بقية أبناء ذلك الزمان على الحزم وتحمل المسؤولية منذ وقت مبكر جداً، وقديماً الأولاد تحت نظر أبيهم إمّا في مزرعته أو في متجره أو في أي مهنة شريفة تكون مصدر قوتهم، أمّا "أثيثية" فهي بلدة راسخة في أعماق القدم، وضاربة في جذور التاريخ، بقيت محافظة على اسمها العريق رغم توالي الدهور والأحقاب والأزمنة والأجيال.

وعبدالرحمن بن سويدان عاش هذه الأجواء في قريته بين والديه ومعه أخوه عبدالله -رحمه الله- وأخواته، لكنه آثر الرحيل كما قلت سابقاً، ولعل آماله وطموحه هي التي أخرجته من قريته، فقد اختزن مواهب كامنة، وهذا ما سوف نتحدث عنه في السطور القادمة.

رسم وخط

وسافر عبدالرحمن بن سويدان -رحمه الله- إلى الطائف وتعلم القراءة والكتابة فيها، وهنا انفجرت موهبة الرسم والصنعة الجميلة في الخط، وحسن الخط موهبة من الله العلي القدير وليست دراسةً وتعلماً، وقد اشتهر كثير من النساخ بحسن الخط كأنه طباعة، بل أحسن من الطباعة الحديثة لروعة هذه الخطوط، وكان الموهوب عبدالرحمن بن سويدان الخطاط الرسام قد أتقن الكتابة والقراءة في الطائف، وحسن خطه الفائق الرائع هو السبب الرئيس في انضمامه إلى العمل في خاصة الملك عبدالعزيز -رحمه الله-؛ لأن الذين خطوطهم حسنة في نجد تؤهلهم للوظيفة في الحكومة قبل انتشار التعليم وشيوع الأمية في نجد، فكانت القرية النجدية لا يوجد فيها كتاب يجيدون الكتابة سوى عدد قليل، لكن قد يكون في بعض القرى النجدية نسّاخ وخطاطون، خاصةً إذا كان بها نهضة علمية مثل العاصمة الرياض قديماً وأشيقر وبريدة وعنيزة وشقراء وغيرها من القرى النجدية.

زخرفة إسلامية

وكان الخطاط والرسّام عبدالرحمن بن سويدان -رحمه الله- أحد أولئك الذين تميزت خطوطهم، وفي هذه النماذج من الصور التي قدمها ابنه خالد بن عبدالرحمن بن سويدان، هذه الصور كانت بريشته، وقد أخرج هذه الصور بشكل جيد وكبير دار تراث الوشم للنشر وتوزيع الكتب التاريخية والعروض الثقافية لصاحبها ومؤسسها الدكتور عبداللطيف الحميد، ففي هذه الصور زخرفة من الزخارف الإسلامية كانت معهودة وقديمة، فكان النساخ الأوائل حتى بعد عصر المطبعة يرسمونها في المصاحف والمخطوطات، وهنا نتأمل في رسمته نموذج رقم (1) نجد أن الخطاط عبدالرحمن بن سويدان يورد معلومات عن القرآن الكريم، حيث ذكر عدد كلمات القرآن الكريم وحروفه ونقطه أي الحروف المنقطة، ولفظ الجلالة كم ذكر في القرآن الكريم؟، وعدد أحزابه، ثم وضع الخطاط ابن سويدان أشكال مستطيلة فيها عدد الحروف التي في القرآن الكريم حروف المعجم، بداية من الألف أول حرف لهذه الأحرف، ويذكر أنه تكرر في القرآن الكريم بعدد معين كما هو موضح في الشكل رقم (1)، وكذلك الحرف الثاني وهو الباء والتاء والثاء والجيم والحاء والخاء والدال في الحرف الأخير من حروف المعجم، وفي يمين القارئ لفظ الجلالة وشمال القارئ كتب محمد صلى الله عليه وسلم، وفي أعلى الرسمة البسملة ويليها كلمة التوحيد وشعار راية المملكة العربية السعودية.

نخلة مثمرة

وفي النموذج رقم (2) رسم الخطاط عبد الرحمن بن سويدان -رحمه الله- نخلة مثمرة؛ ولأنه نشأ في نجد وقوت أهالي نجد الرطب والتمر كانت النخلة هي من أوليات ما يرسم، وسوف يؤسس بستاناً هو وأخوه عبدالله على طريق مكة يضم 400 نخلة وأشجاراً مثمرة، وكذلك رسم شعار المملكة العربية السعودية السيفان ووسطهما نخلة مثمرة، وهذا الرسمة نموذج رقم (2) كتب فيها بخطه الفائق الأسماء الحسنى التسعة والتسعين، وأما الرسمة نموذج رقم (3) فهي مسجد يتكون من منارتين وبداخل المسجد رجل يصلي، وهذه اللوحة الفنية تعبّر عن ما في داخل الخطاط والرسام عبدالرحمن بن سويدان وكذلك اللوحات التي قبل هذه نموذج رقم (1) ونموذج رقم (2) من تعلقه بالزخرفة الإسلامية وكل ما يمت للدين الإسلامي، ولو أنه استمر وواصل هذا الفن لأنتج لنا معرضاً خاصاً به، لا سيما ما يمت بالفن المعماري النجدي، لكن هذه الرسمات كانت هواية وحب للرسم فقط، وليته رسم قريته أثيثية التي كانت ملاعب صباه وشبابه لكان أول رسام يجسد هذه القرية القديمة برسومات فنية.

جباية الزكاة

ولمّا أُسست دار التوحيد بالطائف عام 1364م وكان بها ثلة من العلماء في الشريعة والأدب واللغة العربية انضم إليها عبدالرحمن بن سويدان -رحمه الله- في أول دفعة، وكان من زملائه عبدالله بن خميس ومحمد بن جبير وعبدالله البسام وعبدالعزيز المسند وعبدالرحمن الشعلان وغيرهم، لكنه لم يواصل دراسته بهذه الدار العلمية التي كان يرأسها محمد بهجت البيطار.

وكلفته الحكومة للعمل لجباية الزكاة في جنوب المملكة، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء من بعده يبعثون أناساً لجباية الزكاة، واستمرت الحال حتى عهد المؤسس الملك عبدالعزيز -رحمه الله- وما بعده من الملوك، فكان هذا التكليف أول تكليف حكومي يكلف به ابن سويدان، وجباية الزكاة في بهيمة الأنعام وكذا الثمار من التمور والقمح.

حسن الخلق

وكان عبدالرحمن بن سويدان -رحمه الله- هو أكبر أبناء والده الشيخ سليمان، فلما توفي والده رجع إلى أثيثية لرعاية الأسرة والدته وأخيه عبدالله وأخواته لتنظيم أمورهم المعيشية، فكان كالأب لهم، وبالذات والدته التي كان باراً بها، وقام بكل ما في شأنه فيه منفعه لأسرته، وهذا من البر والإحسان لذوي القربى، والوالدة والأخوات والأخوان هم الأولى، خاصةً الأم التي منحها عز وجل ثلاث حقوق، فإذا كان الساعي على الأرملة كالمجاهد في سبيل الله كما صح الحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم، فكيف إذا كانت الأرملة هي الأم، فلا شك أن الأجر أعظم وأكبر وأجزل، وفضل الله واسع، وعبدالرحمن بن سويدان قام بهذا الأمر الذي يُعد من أفضل خصال مكارم الأخلاق، بل من أجل العبادات بعد عبادة الله عز وجل، وقد وفق عبدالرحمن بن سويدان لهذا العمل المبرور، فكان سعيه مشكوراً،

وعبدالرحمن بن سويدان -رحمه الله- امتاز بحسن الخلق وطيب المعشر وأريحية النفس ولين الجانب، فهو يألف ويؤلف، محب للناس، بشوش، طلق المحيا، حديثه منظم ومنمق، لديه ذائقة أدبية، ولعل من أشهر أصدقائه الأديب حمد الحقيل الذي ربطته به صداقه وود ومحبة، وحمد من الرواة الذين يملؤون المجالس أدب وشعر وفكاهة وقصص في القديم والحديث، وبعض الصور من أرشيف عبدالرحمن بن سويدان جمعته مع حمد الحقيل، وسمعت من الراوية المؤرخ الكاتب الصحفي يعقوب الرشيد كلاماً يثني فيه على عبدالرحمن بن سويدان حيث قابله في منزل إبراهيم العنقري مستشار خادم الحرمين الشريفين سابقاً، وهو ابن اخت عبدالرحمن بن سويدان.

سكن الأحساء

ويروي خالد بن عبدالرحمن بن سويدان في سيرة والده قائلاً: رحل الوالد إلى الأحساء لتصفية تركة أحد أقربائه؛ لأن هذا القريب توفي وليس له ذرية ولا أخوة من الذكور أو الإناث سوى أبناء عمه العصبة، فصفى تركته، وعندما انتهى من هذه المهمة غير الرسمية طابت له السكنى في الأحساء، حيث كانت مزدهرة تجارياً فزاول بها التجارة وكان الكثير من أهالي الوشم وخصوصاً من مدينة شقراء يتعاطون التجارة في الأحساء، ولا شك أنه ارتبط معهم بصداقات، وعبد الرحمن بن سويدان صداقته مكسب وشرف واعتزاز؛ لأن ممن يقدّر الصداقه والرفقة حقها فهو من أخوان الصدق والوفاء وهذه من مكارم أخلاقه وأبرز صفاته.

خاصة ملكية

وجاءه تعيين عبدالرحمن بن سويدان -رحمه الله- في ديوان الخاصة الملكية، والخاصة الملكية أي خاصية شؤون الملك عبدالعزيز -رحمه الله-، ولعل خطه كان المؤهل لوظيفته هذه التي قربته من القيادة العليا، وكان الملك عبدالعزيز معجباً بحسن خطه وأداء إدارته، وكانت طبيعة عمله مأمور صرف الرواتب والمخصصات المالية لكبار موظفي الدولة والعائلة المالكة، وقد كتب الكثير من الوثائق بخطه وكان يرأس الخاصة الملكية آنذاك الشيخ عبدالرحمن الطبيشي، وكانت علاقاته جيدة مع زملائه في الخاصة الملكية، خاصةً مع من يرأسهم، وقد نظم ما أوكل إليه من أمور مالية بأن وضع مسيرات رواتب في هذه الدائرة بالخاصة الملكية، وعندما تولى الحكم الملك سعود -رحمه الله- وأصبح ملكاً للمملكة العربية السعودية، استمر في وظيفته حتى أحيل على التقاعد فيما بعد في عهد الملك فيصل -رحمه الله- وكان طيلة عمله معروفاً بالنزاهة والأمانة والالتزام بالعمل.

مزرعة السليم

وأسّس عبدالرحمن بن سويدان وأخوه عبدالله بن سويدان مزررعة فيها 400 نخلة، وتقع بين بلدة مرات وأثيثية على طريق الحجاز، وكانت مفتوحة لكل زائر، وكانت من أوائل المزارع على ذلك الطريق، وكان أخوه عبدالله هو من تولى شؤون هذه المزرعة حتى انتقل إلى شقراء، وكا معروفاً بسماحة نفسه ودماثة خلقه لا يقل عن أخيه في مكارم الأخلاق، وقد أطلق على هذه المزرعة السليم، فكانت متنزهاً لأهالي المنطقة ومحطة استراحة للعابرين والمسافرين على طريق مكة، لا يريد بذلك الأخوان عبدالرحمن وعبدالله سوى الأجر من الله عز وجل.

وفي تاريخ 23 /9/ 1405هـ توفي عبدالرحمن بن سليمان بن سويدان في ليالي العشر المباركة وفي شهر رمضان سيد الشهور، وقد خلف أبناء صالحين هم حمد، وعبدالله، ومحمد، وعبدالعزيز، وخالد، وتركي، وعبدالمجيد، وماجد. وفي الختام أشكر خالد بن سويدان على تزويدنا بهذه المعلومات والشكر موصول للدكتور عبداللطيف الحميد الذي كان سبب مباشراً في نشر هذا الموضوع.

عبدالرحمن بن سويدان على اليمين وبجانبه أخيه عبدالله في رحلة علاج
عبدالرحمن بن سويدان -رحمه الله
خالد بن عبدالرحمن بن سويدان
رسم شعار المملكة السيفين ووسطهما نخلة مثمرة
وضع معلومات عن القرآن الكريم
رسم مسجداً يتكون من منارتين وبداخله رجل يصلي
إعداد- صلاح الزامل