ترمي المملكة بكل ثقلها في ملف التغير المناخي، متجاوزةً حدودها "المحلية"، إلى حدودها "الإقليمية" و"الدولية"، وتعلن عن مبادرات كثيرة، أقل ما تُوصف به، أنها "نوعية" سواء في برامجها أو أهدافها أو آلية تنفيذها على أرض الواقع.

هذا المشهد رأيناه أمراً واقعاً ملموساً ضمن فعاليات منتدى مبادرة السعودية الخضراء، الذي بدأ أعماله في الرياض، تلك المدينة التي بدت بالأمس وكأنها بوصلة اهتمام الكثير من قادة العالم والمنظمات الدولية والمتخصصين المحليين والدوليين في مجال البيئة، فالكل كان شغوفاً بمعرفة ماذا ستفعل المملكة لحماية كوكب الأرض من الأخطار المحدقة به؟.

ولأنها المملكة، الدولة المحورية في المنطقة والعالم، وصاحبة المكانة المرموقة، فهي لا تقبل إلا بموقع الريادة في كل المجالات التي تدخلها، ومن هنا كانت ثمار المنتدى مختلفة ومبهرة للجميع، وتجسد هذه الأمر "أولاً" في إطلاق ولي العهد رئيس الهيئة الملكية لمدينة الرياض الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، استراتيجية استدامة الرياض، التي تهدف إلى تحويل العاصمة إلى واحدة من أكثر المدن استدامة في العالم، ثم تجسد مرة ثانية في شمول هذه الاستراتيجية على أكثر من 68 مبادرة طموحة لتعزيز الاستدامة في خمسة قطاعات مهمة، بداية من الطاقة والتغيّر المناخي، مروراً بجودة الهواء، وإدارة المياه، وختاماً بإدارة النفايات، والتنوع الحيوي والمناطق الطبيعية، وهي المجالات التي رأت المملكة أنها في حاجة إلى برامج خاصة، وعناية رسمية شاملة، لتعزيز المحافظة على البيئة نقية وخالية من كل علامات التغير المناخي المزعجة.

وعندما توفر استراتيجية الرياض نحو 65 مليار ريال لاقتصاد العاصمة، فهي هنا تعكس أمراً مهماً، لطالما حرصت عليه رؤية 2030، بأن تدرج المسار الاقتصادي في كل مشروعاتها وبرامجها، هذا الوفر هو ثمرة مباشرة لرفع مستوى كفاءة البنية التحتية، وتخفيض استهلاك الطاقة والمياه، وتخفيض فاتورة الآثار الصحية جراء تحسّن الصحة العامة، وهذه سمة تفكير الرؤية وأهدافها العليا، بأن تجعل الاقتصاد جزءاً أساسياً ومقدماً في كل خطوة تخطوها نحو الأمام، ولا يتم هذا إلا وفق دراسات ذات نظرة شمولية، لا تترك أمراً إلا وتعطيه من الاهتمام القدر الكافي.

ولم يشأ ولي العهد أن يكتفي بإطلاق استراتيجية الرياض، ومبادراتها المتعددة، وإنما أتبع ذلك بإعلان الهدف الأسمى لها، هذا الهدف ارتفع إلى أعلى مراتب الأمنيات والطموحات، بخفض انبعاثات الكربون في العاصمة بنسبة 50 %، وهي نسبة كبيرة جداً، تعكس حجم الجهود الجبارة التي تعتزم المملكة بذلها من أجل تحقيق هذا الهدف، ويبقى الأمر المطمئن مشهد المبادرات المعلنة، أن المملكة لم تبخل عليها، ووجهت بضخ 346 مليار ريال لتنفيذ مبادرات ومشروعات الاستدامة للمدينة، مع تحفيز القطاع الخاص بفرص استثمارية.

ولن أقول جديداً، إذا أكدت تفاؤلي الشديد بنتائج استراتيجية استدامة الرياض، التي أراها خطوة وثابة، نحو المستقبل الذي يتمناه ولي العهد لهذا الوطن، بأن يراه وقد تألق بين الأوطان، معلناً عن نفسه وطناً قوياً راسخاً، لديه المرتكزات التي ينطلق منها نحو آفاق واسعة من التقدم والازدهار، وإذا كانت هذه المرتكزات قد انطلقت من الرياض، فلا أستبعد أن تكون هذه بداية لسلسلة من الانطلاقات الأخرى، التي تستهدف بقية مناطق المملكة.