من المناظر المألوفة في القصص الفكاهية مشهد شخص صحيح العقل يوضع في مصحة نفسية خطأً، لكن هذه المشاهد ليست مبالغاً فيها، والفضل يعود لتجربة أجراها العالم النفسي الأميركي ديفد روزنهان العام 1973م أظهرت أنك لو وُضِعتَ في مصحة نفسية غلطاً فستلبث هناك إلى ما شاء الله ولن يصدق كلامك أحد!

فقد اتفق روزنهان مع 12 من معارفه أن يوضعوا في 12 مصحة نفسية مختلفة ويدوّنوا تجاربهم، وهؤلاء تنوعت مهنهم، فمنهم تلاميذ في الطب النفسي، ومنهم علماء نفسيون، ومنهم طبيب أطفال، ورسام، وربة منزل، وليس لأي منهم أي أمراض نفسية سابقة، ذهبوا إلى المصحات المتنوعة وشكا كل منهم أنه يهلوس ويسمع أصواتاً في عقله، وجلس معهم الأطباء النفسيون يقيّمون أوضاعهم، فأما بعضهم فَحَكَم الأطباء أنهم مصابون بمرض الفصام، وبعضهم بمرض اضطراب ثنائي القطب، تنوّعت التشخيصات، رغم أن كل الاثني عشر متطوعاً كانت لهم الأعراض نفسها، بعد أن دخلوا المصحات توقفوا عن الشكوى وعادوا كما كانوا من تمام العقل والتصرف الحسن، بل أظهروا ذكاءهم فأخذوا أقلامهم وكراساتهم وجعلوا يكتبون ما يرونه حولهم، وكان هذا جزءاً من التجربة، ورغم ذلك ظلوا في المصحات ولم يصدقهم أي شخص، ما عدا بعض المرضى الآخرين.

ظلوا محبوسين، وكان كل تصرف لهم يُحلَّل حتى لو كان طبيعياً، فأحدهم لما أخذ كراسته يكتب عن هذه التجربة راقبته ممرضة وقالت: إن المريض يمارس "تصرفات كتابية"! لما أرادوا الخروج من المصحة ذهبوا إلى المسؤولين وأفادوهم أنهم أصحاء وأنهم راغبون في الخروج، والإجراء أن لا يخرج شخص إلا بإذن الأطباء ليقيّموا حالهم وإذا ما كانوا جاهزين للخروج، قال الأطباء: إنهم لا يمانعون خروجهم لكن ليس فوراً وإنما لاحقاً، بشرط أن يشهدوا على أنفسهم أنهم مرضى وأن يبدؤوا تناول الأدوية النفسية، وبعد فترة من "التحسن" قد يسمح لهم الأطباء بالخروج!

أقلهم مكوثاً ظل 7 أيام في مصحته، وأطولهم استمر 52 يوماً، ولما عاودوا الكَرَّة محاولين الخروج كان معهم هذه المرة العالم روزنهان واصطحب معه محامياً في حال رفَض المسؤولون خروج المتطوعين، وخرجوا كلهم بعد هذه التجربة الفريدة التي أثبتت أن تلك المشاهد الفكاهية ستحصل بالتأكيد لو كانت في عالم الواقع، وحينها لن تكون طريفة إطلاقاً!