التعصب يكون أيضا حميّة صادقة تأخذ بالإنسان إلى نصرة ما يراه، وتقوية ما يميل إليه، ولستُ أرى باحثا حقيقيا إلا متعصبا لما قادت إليه تحرّياته، وانتهت به تأملاته، فالباحثُ الذي لا تحتمي نفسه لفكرته، ولا يتوقّد لها جَنانُه؛ تذبل فكرتُه بين يديه، وتخرج منهما خديجا، لا يلبث أن يموت، أو يُدركه المرض..

الناس قبلنا في التعصب طائفتان، طائفة تراه ضرورة، يحمي الناس، ويغرس فيهم الحميّة لدينهم وثقافتهم وتراثهم، ويدعوهم إلى البَصَر بحَسَنِ ما عندهم، ويُنطق ألسنتهم بالخير الذي فيهم، فتعزّ نفوسهم، وتقوى ضمائرهم، وتنشط عقولهم، ويعرفون به ما يُميّزهم من الخير عن غيرهم، فيزدادون به تمسكاً، وإليه انتماء، وما في مثل هذه الحالة من بأس، ما دام المرء يرى لغيره ما يرى لنفسه، فيقبل من الآخرين أن يكون لهم عصبيّة لما ألفوه، ورأوا الزين فيه، ولا يدفعهم عن شيء يتحلّى به، ويَستنفر عقله في الدفاع عنه، فلولا التعصب الممدوح ما بيّن المرء حجة رأيه، وقوة دليله، ونصوع فكرته.

هذه الطائفة، ومنهم الأستاذ جمال الدين الأفغاني وعلي شريعتي، يدركون أولاً أنّ واقع الناس، الذي عُرف عنهم وخَبَرَه مَنْ تدبّر حالهم، هو التعصب لما نشأوا عليه، وعرفوا لطول صُحْبته محاسنه، ووقفوا على ما زان في نفوسهم منه، ويدركون أن هؤلاء البشر لن يتغيّروا يوما ما، وسيظلّ التعصب جزءًا طبعيًّا منهم، به يقوون على المحاماة عمّا عرفوه، وبِحَفْزِه يجتمعون عليه، وينضوون تحته، وهم يدركون أيضا أن الناس مشتركون في هذا الأمر، فلا يدفعون أحدا من البشر عنه، فهم يرون التعصب صفة إنسانية، من سائر صفات الخلق، يَعْتَرِيه ما يعتريها، ويُصيبه ما أصابها، فيخرج إلى تفريط أو إفراط، ولكنّ خروجه، وكلّ صفةٍ مثله، لا يقود إلى محاربته وإقصائه والقضاء عليه! وهم يعدّون مَنْ يسعى لهذا، ويجتهد في سبيله، ويبذل قصارى جهده فيه، مُخطئا على أمته وجماعته من جهتين: الأولى: أنّه يبغي منها ما لا يُقدر عليه، ولا يوصل بالحيلة إليه، والثانية: أنه يَعْدُو إلى نزْع إيمانها وفلّ يقينها، وهو جامعتها، وحصن اختراقها، وبين إصلاح ما عليه الأمة، ونقض حمّيتها لما في ثقافتها من الخير والصلاح والكمال؛ فرقٌ جدّ عظيم، لو علمه محاربو التعصب جملة، لكان لهم طريق آخر يسيرون فيه، ويذهبون في الإصلاح منه.

ومن غرائب الأمور أنّ معظم محاربي التعصب، الذين يجعلون مثاله ما عليه الناس من إيمان ويقين، إن لم يكن كلهم، يتعصّبون لما هم عليه، وتتفجّر حميّتهم له، وتراهم يُظهرون حسنات ما يدعون إليه، ويُبرزون ما يظنونه شرا في ما ينتقدونه، ويذهبون كلّ مذهب حتى يُكرّهوا الناس فيه، وذاك منهم والله من عدم الإنصاف وقلّة الاكتراث.

التعصب يكون أيضا حميّة صادقة تأخذ بالإنسان إلى نصرة ما يراه، وتقوية ما يميل إليه، ولستُ أرى باحثا حقيقيا إلا متعصبا لما قادت إليه تحرّياته، وانتهت به تأملاته، فالباحثُ الذي لا تحتمي نفسه لفكرته، ولا يتوقّد لها جَنانُه؛ تذبل فكرتُه بين يديه، وتخرج منهما خديجا، لا يلبث أن يموت، أو يُدركه المرض، وكلّنا ذلك الرجل الذي يرى الحياة جهادا، ومن الجهاد فيها أن يُجاهد في الوقوف مع فكرته، ويسعى بين الناس في جلائها، وكشف اللبس عنها، وما لم تبذل طاقتك في آرائك؛ فلن يعرف الناس قدرها، ولن تجد منهم مَنْ يُقدّرها، وذا لا يكون دون تعصبك لها، وإيمانك بها؛ لأن العقل لا يعمل في نصرة الفكرة، ما دام صاحبه لا يؤمن بها، ولا يعرف قدرها! وقد عرف ذلكم من العقل الباحثون الجادّون، فأثاروا عقولهم من مراقدها، واسْتَنْهَضُوها من وُكُناتها، وساقوها من مَرافِئِها.

إذا كنتُ سأسير مع التصعب سيرة سقراط وأفلاطون من بعده في بعض محاوراته؛ فإني سأُبادر إلى طرح هذا السؤال: ما التعصب؟ وكيف يكون؟ وعلام يُطلق؟ ومتى يُشار به؟ وهل يُراد به الشعور الذي يُصاحب النفس حين تنتمي إلى شيء وتميل إليه ويجعلها تعتزّ به وتحتمي بظلاله وتُفضله على غيره؟ ثم هل التعصب معنى إنساني مشترك؟ وهل هو في الدين والمذهب وحدهما أوله وجود في أماكن أخرى من الحياة ومناطق كالانتماء إلى العِرق والبلد والمهنة والنادي الرياضي؟ كل هذه الأسئلة تُساعد على الوعي بالتعصب والفهم له والإدراك لما يُقبل منه ويُرد على صاحبه.

وجوابي هذه الأسئلةَ كلها، أنّ التعصب مصدر الفعل (تعصّب) والمراد منه الاجتماع على الشيء والتكاتف له، ومنه العِصابة، وبها يُشدّ شتات الشعر، ومنه العَصَبة وهم جماعة الرجل الذي يتعصبون له، أي: يجتمعون له، هكذا حدّثني الفيروزآبادي في معجمه، فليس في هذا اللفظ معنى قبيح، وكلّنا يُريد من جماعته أن تنصره بالحق وتقف معه، ولا تتخلّى في مضايق الحياة عنه، ولكنّ المشجع الرياضي الذي يسخر من غيره، ويتشاجر معه، ويفرح لِمصُابه، ويُطلق لسانه عليه، ويُنقل إلى المشفى فاقدا للوعي من جَرّاء حماسه الخاطئ وحمّيته الغالطة؛ فذاك هو الذي كان علينا جميعاً أن نقول له: إنك تُخرج التعصب عن حدّه، وتُفسد معناه، وتعود باللائمة عليه!