طلبتْ مِنّا الدُكتورة تحليلاً دقيقاً في بحث لا يقِلُ عدد صفحاته عن خمس عشرة صفحة، مع أهميةِ الرُجوع إلى المَراجع، وذلك لإحدى مقامات الحَريري أَديبنا اللُغوي اللبيب، وفصيحنا العارف الفهيم، وكمْ كانتْ بنا شفيقةً -نحن معاشر الباحثين المُبتدِئين-!

وطفقت أشتري الكتاب، وكلي ثقة بأنَّ النَجاحَ سيَكونُ حَليفِي، وَأنَّ القِراءةَ الأُولى سَتكفَلُ لِيَ التحليلَ الدقيقَ، لاسيَّما أنَّ التحليلَ اللُغوي دَيدني في أوقاتِ فراغي.

ولا أُريدُ أنْ أُطيلَ عَليْكُم فقدْ كَانَتْ الدَهشةُ مَرسومةً على كلِ مَلامحِي بعدَ أنْ دَلُفْتُ لِقراءةِ الكتابِ، وأصبحَ الهمُ رفيقي، فمَا مِنْ كَلمةٍ سَهلةٍ، قريبةٍ إلى الأفهامِ في هذا الكتاب، وإنْ اقتنصْتُهَا فَإنَّ السياقَ العامَ لِلجملةِ يَجعلُكَ شريداً، هارباً عنها، غيرَ ظافرٍ بأيِّ مَعنىً منها!

فمَا كان مني وعلى حين خِلسةٍ من ضَميري إلا أنْ أتصفحَ الشبكة العنكبوتية لَعلي أظفرُ بمَقامةٍ مُعَدة ومُحللة تحليلا لغوياً وفنياً، فكان الفشلُ الذريع جَزائي، فلا يَوجدُ في عالم الشبكة العنكبوتية أيةُ مَقامة تناولها الدرس الأدبي! نهايةٌ أسيفةٌ بعدَ البحث المُضني. ألا يوجدُ باحثٌ قامَ مشكوراً بتحليلِ مَقامة من مقاماتِ الحريري، ولو عنْ طريقِ القِراءة الخَاطفة أو الهِواية التي تَجُرنا أحياناً لِقراءةِ ما لا نريد، فنقعَ على ما نريد، وليتني وقعتُ على مَا أريد!

بدأتْ وجنتايَّ بالاحمرارِ، وَهُما كذلك في حالتي الخجل والغضب، ومن دون شك جمعتُ في هذا الموقف بين الحالتين: الخجل من ضميري، فسرعان ما أيقظني إحساس الندم، والغضب من هذه الأناة الحالمة التي أحياها، فمَا أنا فاعلةٌ في أمري؟، والوقتُ ينسلُ مِنْ بينِ يدي، ولا بُدَّ مِنْ تسليمِ البحثِ بعد أسبوع، حسناً، خَطرَ لي خاطرٌ لكن نِسبةُ البراءة فيهِ أكبرُ، وهو: أن أضعَ موضوعاً في موقع شبكة الفصيحِ لعلوم اللغة العربية، فلعلَّ أحدَهم يُفصِحُ لي مَشكوراً بحلٍ لهذا الموضوعِ، أو لديهِ تحليلٌ بلاغيٌ؛ أو أيِّ تحليلٍ مُبهم، المهم أنهُ تحليل لُغوي وكفى، فيغيثَنِي به، ومكثَ الموضوعُ يومين، وفي اليوم الثالثِ أدركتُ أنهُ مَا مِن سبيلٍ إلا صاحبُ الكتاب أسألهُ لَعلَّ قلبَهُ يَرِقُ لِي، أيُفْصِحُ لِي الحَريري عَنْ مَكنونِ كلماته الغريبةِ والتي جمعَها في صعيدٍ واحد؟

تصفحتُ الكِتابَ على مَضضٍ، وقهقهةَ الحريري ما تزيدني إلا تحديًا، وتُصاحبَنِي في كُلِ صفحة ٍأتصفحُها، وكان يتوجبُ عَليَّ في البدءِ أن أنتقيَ مَقامةً من الأربعين، لتظفرَ بتحليلي السامي وهوايتي التي أراها اليومَ مبعثَ أحزاني بعدَ أنْ كانتْ سببَ مَسراتي.

ولكن مُجبرٌ أخاك لا بطل!

كانَ هدفي أن أنتقيَ الأكثرَ سهولةٍ لي، فلعلَّ هذه الحيلةَ تجعلُني مُتميزةً أمامَ الدكتورة التي لا أظنَّها إلا عارفةً ببُغيتي هي والحريري، وأيضا الشريشي، والأخير بدوره اكتفى بلمحاتٍ خاطفةٍ لتوضيح معاني النص الواحد، ألم يعرف أن هناك الأسلوبية، والتفكيكية، والبنيوية، والسيميولوجية، والدراسة الفنية؟ أصلحكَ الله يا شريشي، لماذا لم يكنْ لكَ عبقريةٌ فذةٌ تُفكك بها أسلوب المقامات وتُعيدُ بناءَها ثم تدرُسَها فنياً وأنت الشارح اللُغوي الكبير؟

ما لي أراهم اتحدوا ضدي، ووَقفتْ حِيلتي حائرةً، فهربتْ الحيلة وَبقيتُ أنا وحدي في الميدان، وما من مَقامةٍ سهلة وذاتَ لُغةٍ قريبة من الأفهام.

وحُشِرْتُ في الزاوية الضيقة التي حاولتُ وحاولتُ أنْ أفِرَ منها لأجدُ متسعاً، والآن يَضيقُ الخناقُ عَليَّ، ومَا مِنْ أصواتٍ أسمعُها غيرَ الحَريري وَهو يُثقِلُ وَطأتَهُ عليّ بألغازهِ.

لَمْ يتبقَ لي مِنْ أمرٍ إلا أنْ أواجَه البحرَ والعدوَ معًا وَما أظنني إلا غارقةً، ومع أني أجيد السباحة إلا أنني لمْ أتعودْهَا في العواصفِ الهائجة.

لِمَ لَمْ يكُن هناك باحثٌ واعدٌ يُرشِدُهُ مُشرفٌ قديرٌ لتحليلِ هذهِ المَقامات تحليلاً أدبياً وفنياً لنظفرَ منه بمَرجعٍ يَمُدُ لنا يدَ العونِ في هذه المُعضلة؟

 ها هي المَقامات ترمُقَنِي بحدةٍ، لكنها نظراتُ الوعيد والتهديد، هي تنتظرُ مِدادي لأكتبَ عنها، فتسخرَ مني سخريةً لاذعةً، لكنها تنبُعُ من مرارتي.

مكثتُ تسعَ ساعاتٍ لأنتقي مقامةً مُحاولة أن أظفرَ بما يَستوعبه عقلي الصغير، ويدخلُ إلى لبي القاصر، فأعيتْنِي الصفحاتُ، وأعياني زماني كلهُ، وَبتُ أندبُ الحظ العاثر الذي جرني إلى مِصر بلد الثقافة والعلم، أكنتُ جديرةً بهذه الدراسة المُعقَدة، فينعقدَ لساني وحاجباي وكلُّ ما بي، ونمتُ والكتاب في حضني، ومع الفجر الذي يضجُ حيوية كتب الله لي بصيصَ الأمل، وأيقظَ في مكامني العزيمة، وأشعل يراعتي للمضي قُدماً بلا هوادة ولا تراجع، فإذا الفكرة تقترب مني وتُشِعُ في رأسي: لِمَ لا أختار أقربَ المَقاماتِ إلى روحِي وأحبَها إليَّ من دون أنْ أضعَ فكرةَ صعوبةَ اللُغة حائلاً بيني وبين الانتقاء؟ لِمَ صنعوا المُعجم إذن؟ وهل كان الفيروز آبادي يؤلفُ قاموسَه المُحيطَ إلا لنُحيطَ بلغتِنا وننهل منهُ فيتسعَ أفقنا؟ لكنهُ لو عرف حالي سَيرق، وسيشفعُ لي عندَ الحَريري، معَ أنهما لمْ يلتقيا إلا في العِلم لا الزمان، لعله يلقاه، ألم ألقَ الجاحظ في بيانِه، وابن قتيبة في الشعر والشعراء، والأعشى في معلقته، على الرغم من تفاوت عصورهم! أليستِ الأرواحُ تتخاطب أحياناً، والخواطرُ تتوارد كثيراً؟ وهل كانتْ شفاعتُهم في العلم؟ لا أرى أنَّ أحداً سيشفعُ لي من علماء عصره أو عصري ولا مِن زمنٍ آخر، وهل كتاب الموازنة للآمدي شفاعةٌ حسنةٌ لأبي تمام؟ لا أظن!

ما من أحدٍ في العلم إلا وينقدُ سابقيه ومعاصريه بضراوة، فلم يشفعْ لأبي تمام ديوانُه الرائعُ وحماسته التي تلهب النفوس، بل لم يشفع له حصانة المُعتصم - الخليفة الشهم - لشاعريته، فما زادهم ذلك إلا اتهاماً له بالسرقة، فكيف سيكون مصيري وأنا الأَمَة الفقيرة في البضاعة؟

حسنا لأبتعِد عنْ هذا التشاؤم، وأفكرُ بتفاؤلٍ كلونِ ذُكاء التي بدأتْ تتسلسلُ أشعتُها على وجهي بلا خفرٍ.

الخطوة الأولى في أي عملٍ هو القبول والاستعداد النفسي، هذا ما تعلمناهُ في دورات الاتصال والتواصل والتخطيط. 

حسنا لابد من الحُب، إنهُ الداء والدواء، هذا السحر العجيب الذي يتسلل إلى النفوس، فنخضع للمحبوب ويخضع هو لنا.

   وأصبح الكتاب رفيقي في (الترام).. في الكلية.. في المكتبة.. لعلي أحبه، أو هوَ يحبني فيُسِرَ لي ببعضِ أحاديث قلبه.! وما أظنُ رِفقة الكتاب جلبتْ لي غيرَ ظُنون الصِحاب بأنَّ بي مساً أو خبالاً أو شيئاً من جنون، وأصبحتُ المُضغةَ التي يلوكونها، والنكتة التي تداعبُ شِفاههم، وأنا لسان حالي كما قال الشاعر:

فبـي مـن الـهمِ مَعـنًى لا يُـصـورُهُ 

صِدقُ الشعورِ ولا وَشيٌ من الكذبِ

وبي من الهم والأحزانِ ما عجزتْ 

عـنـهُ القـوافي وأعـيا منطقَ العـربِ

 وكلما تصفحتُ وتصفحتُ المَقامات ما رأيتُ إلا نفورا من هذهِ اللُغة الغريبة التي حشدَها الحريري حشداً، هل نزعَ اللهُ منه الرأفة بنا وبحالنا اللغوي في عصرنا الراهن؟

فكيف لو سمعَ الحريري هذه العامية التي باتتْ تنتشرُ انتشارَ النارِ في الهشيم؟ كيف لو حضرَ مُحاضرةً لأستاذٍ جامعي يُسهب في الدرس النحوي بلهجته، وهو يكرر على أسماعنا أريد لكم التيسير؟! وهو لم يُرِد إلا التلويث لألسنتنا، فتنأى عن الماء الرقراق، وَنَرْشُفُ كدراً وطيناً.

ماذا لو استمعَ لإعلامنا العَربي؟ هذا الجِهاز الذي كانَ يُسيطرُ عليهِ الشاعر في العصور الزاهية فمَا يزيدهُ إلا نضارةً وفصاحة وبياناً؛ بشاعريته المُتجددة ولُغته الفَصيحة.

ماذا سيصيبه حينما يسمعُ نعيقَ الدُعاة لتبسيطِ النحو العربي بحُجة تيسيره! وهم يهدمون التراث والشعر، بل اللُغة في شتى مجالاتها.

توكلتُ على الله ..لا بُدَّ مِن أن أنتقي الآن بلا تأخيرٍ، فلم يتبقَ غيرُ أربعةِ أيامٍ على الموعدِ، «أليس الصبح بقريب».

نعم هذهِ هي المَقامة الوحيدة التي هفتْ نفسي إليها، ودخلتْ إلى روحي منها نشوة الارتياح وسكينة الاطمئنان.

إنها المَقامة التاسعة والثلاثون (العُمانية)، جذبني إليها أمران، الأولُ: تلاطم أمواج بحارها التي لّونها الحريري، وقد أقسمتُ لأَقْطَعَنّ بِحَارها، وأتجاوزنّ عواصفها حتى ترسو بي سفينتي إلى ضفة أمان معانيها المتلفعة بهذهِ الشوارد! والثاني: سأحْتفظُ بهِ خجلاً، فما هو مِما يُحْكَى ويُقال!

أنا الآن أمامها أفكُ طلاسمها، أترجم غريبها، وأُناشدُ الفيروز آبادي أن يُفشيَ لي بأسرار مُفرداتِها، وحين أريدُ التفصيلَ وبيانَ الشاهدِ الشعري أُهرولُ لابن منظور فحينا يُجدِفُ معي، وحيناً آخر يضيعُ معي في البحور، ما أظني إلا مُقبلة عليها إقبالَ المُحارب الذي بيدهِ تُرْسِه قبلَ سَيفِه، وسيفي رقيق، لمْ يَقطرْ من دمِ أحد مِنْ قبل، وما أراه إلا مُرهفاً، مُسْتكِيناً في غِمْدِهِ، نائماً عنْ عُذالهِ!

ها أنا أسمعُ نِداءَ المَقامة، تصرخُ بي وهيَ تقولُ: الوقتُ على أفول.

    وَمَضيْتُ إليها مُضيَ الجَبان الذي يَهابُ الموتَ فِيها، وهوَ ينتظرُ أنْ ينجوَ بالخروجِ مِنْهَا.

ولأنني كما رأيتم شجاعة، جريئة، فقد أخذتُ قلمي، ودوّنتُ ما لفتَ نظري في المَقامة، وحاولتُ أنْ أفسرَ غريبها، ثم دَلَفْتُ إلى سردِ قصتها، ففي كل مَقامة أُقصوصة مِن خيال الحريري، الذي لا يتوقفُ عنْ التصويرِ، فيُتعبنا في تَصَويرِ مَا تَخُطُ أطيافُه.

ثم أخذتُ أُحللُ البيانَ بكلِ أنواعِه من تشبيهٍ واستعارةٍ وكنايةٍ ومجازٍ مُرسل، وبعدَ ذلك تعرفتُ على المشاعر في فِقرات النص، فآلمتني فِقراتي، وزادتْ مشاعرُ الغيظ في داخلي، فما أرى إلا عواطفَ مُتأججة تحتاجُ إلى محبرةٍ كبيرةٍ لأسكبَ منها في صفحاتي. هل وُهِبَ هذا الرجل طاقةً شعوريةً غير عادية؟

ثمَّ وَجَدَتُ العُقدة بعدَ المَقدمة القَصصية التي سَردها الحريري، وظفرتُ بِها وَبفِهم نهايةِ الحِكاية، أما حكايتي أنا فمَا زالتْ قائمة بعقدتها من دون شك!

بعدَ ذلكَ أخذتُ في تقطيعِ الأبياتِ الشَعرية التي يَستشهدُ بها هذا الرَجل، فما أعرفُ هل هو ناثرٌ مُجيد أمْ شاعِرٌ نَحرير؟

لا وَربي فقد أعياني هذا المُخاتل!

 فإذا فيها من المعاني ما تحتاج إلى صفحات، وفيها من التناص الديني ما يجعلني أراجعُ المُعجم المُفهرس لألفاظ القرآن الكريم مراراً، كمْ وددتُ أن أشكرَ محمد عبدالباقي على هذا المُؤَلَف الذي وَفر عليَّ الوقت في معرفة مكان الآية ورقمها، فلله درّه، وكأنه كان يعرف كسلي وتقصيري في حِفظ الآي.

بعد ذلك وَجدتُ رُوحِي عندَ بديعها أَلمَسُ طباقها، وأَتحسسُ جِناسها، وَأرى مُقابلاتها، وَأُنْصِتُ إلى المُوسيقى الداخلية، كتوازن المُفردات وتجانس الأجراس الصوتية، وأستمع إلى وقعِ سَجْعِهَا على الآذان، فمَا زادني هذا إلا وَلعاً بهذا العَمل الفنّي الرَائع.

بدأتُ أُصدِّق قولَ القائل بأنَّ أجملَ الحُبِ هو مَا كان بَعدَ كُرهٍ.

وَها أنا أُقبلُ على تنقيحِ وترتيبِ البحث عبر الجِهاز المِسكين الذي لا يشكُو من ضَربي للوحةِ مفاتيحه، ولا يَمَلُ من كثرة ِصُحبتي لهُ، ولا ينفرُ من فظاظتِي مَعه.

أنسقُ.. أرتبُ.. أضيفُ..، فالإضافاتُ مَرغوبةٌ، وأضعُ بعضاً من مراجعٍ لمْ أرجعْ إليها، ولكن المعلومة فيها، أنا على ثقة من ذلك، وثقتي بها لا غير هي التي منعتني من الرجوع إليها!

ثم قدمتُ البحثَ إلى أستاذتي الفاضلة، والغرور يتملكني، لكنها رمقتني بنظراتِ تفحصٍ وتوعد، ولم أُعرها اهتمامي، فما أنا مِمَن يقِفُ عِندَ اللممِ، ما أراحني أنني أنهيته، وفي الزمن المحدد.

ولأن المثل المصري يُردِدُ (يا فرحة ما تمت)، فقدْ اِنْتَقلتْ هَذهِ الحالة لي بكل أسف، وهذهِ أستاذتي بعدَ يومٍ تُعيدُ لي البحثَ وقد وَضعتْ علاماتَ استفهامٍ كثيرة، وكأنها لا تهوى إلا ذلك، بل الأدهى والأَمر أنها أمرتني بزيادةِ فصل التحليل النفسي للمَقامة لأفكَ طلاسمَ شخصياتِها المَجهولة، وما أنا في الطب النفسي لأفعل! رُبما توسمتْ في فراستي خيراً.

أخذتُه، وانطفأتْ مشاعري، وخف توهجي، وخفتت وقدة الغرور في داخلي، وتلاشيتُ إلى شقتي التي شَهِدتْ فصولَ مُعاناتي.

لابُد من التفكيرِ بما طلبتْ، وَعثرتُ أثناءَ بحثي عن الكُتب النفسية في مواقع تحميل الكتب عبر الشبكة العنكبوتية على كتاب الدكتور الرائع عز الدين إسماعيل (التفسير النفسي للأدب)، ومن ذلك اليوم وهو رفيقي في كل بحث.

وأخذتُ أقرأ الكتاب وأقرأ من دون أن يعتورني مللٌ، أو يمرَّ عليَّ خاطرُ فتورٍ.

أي قلمٍ يملكُ هذا المبدع؟ فقد خطف فكري، وما أراني إلا مُوغلةً في فَهمِ كلِ كلمةٍ نَطقَها من صميمِ روحه؛ لم تتوقفْ عندَ حدودِ شفاههِ ولا لَفَظَها لسانه فقط، بل زفرتْ مع أنفاسه، إنه يكتب بصدق، يبحثُ بجدية، يتفحصُ النفوس، يعرفُ كيفَ يَلِجُ إلى عالمِها، فيُقدِمَ لنا نصوصاً رائعةً في التحليل الأدبي النفسي.

وهَأنا أُفسرُ شخصيات قصص الحريري، بل وظاهرة اكتظاظ الغريب في أدبِه، والأهم ظاهرة السجع التي لَعِبَ بها لُعبتَهُ، مع لمحةٍ عن عصرِه وتَصَوُرٍ لشخصِه.

ومن دون شك اِضطرني ذلكَ إلى تأجيل البحث أسبوعاً كاملاً كنتُ أحيا فيهِ بين الكتب، أمّا غذائي فكان بضعَ تمراتٍ يُقِمنَ عظمي ليبقى، قبل أن أفنى!

وبعدها سلمتُه للدكتورة كما طلبتْ وبتنفيذ رؤاها.

ولمْ أجِدُ الراحة إلا حينما زَفُوا لي نبأ فوزي بالدرجة العالية في المادة، فَتنفستُ الصعداء.

للنجاحِ بعدَ الجُهدِ لذةٌ لا يَعْرِفُ حَلاوتها إلا مّن جرّب مُعاناةَ السبيلِ إليهِا! حينها شكرتُ الحريري والشريشي والدكتورة (....) وكل الذين تآمروا معي للنهوض بي.

كم كانت قسوتهم عليًّ طريقاً إلى نجاحي. إلا أنني لمْ أفرحْ بتفوقِي مِقدارَ فرحتي بالقيمة التي أدركتُهَا، وَكمْ كَانتْ غائِبةً عَنْ ذِهنِي، وهي: إنَّ القراءةَ الأُولى لكلِ الأمور غيرُ كافيةٍ لِنَصِلَ إلى كُنهِهَا، عَلينا أنْ نقرأَ الوجوهَ والصفحاتَ والشخوصَ ملياً لِنَعْرِفَ حَقيقتها وإنْ كانتْ مُرة.

  • أديبة وناقدة