عبيد مدني -رحمه الله- أحد من ساهم بقلمه في الحركة الأدبية والثقافية والاجتماعية، كان شخصية لها حضورها الفعّال المثمر النافع في المدينة المنورة، وهو أخ -شقيق- للأديب الصحفي أمين مدني -رحمه الله- الذي له إسهامات أدبية وصحفية، كان اسم عبيد مدني يتردد في أروقة الصحافة السعودية عبر جرائدها السيارة ومجلاتها الشهرية، فهو كاتب صحفي نشط، فضلاً عن أنه من الذين كانت لهم قدم راسخة في تاريخ المدينة المنورة، فألّف عدة مؤلفات في تاريخها، لكنها ما زالت مخطوطة لم تنشر منذ أن رحل عن هذه الفانية، وليتها تنشر وتكون في متناول العلماء والباحثين والقراء وأصحاب القلم، فهذه المؤلفات تُعد إثراءً للمكتبة السعودية بل ومكتبة المدينة المنورة، فهي بقلم مؤرخ متمكن.

وُلد الأديب المؤرخ عبيد مدني في عام 1324هـ بالمدنية المنورة، يقول عن نفسه: ولد لوالدي -رحمهما الله- عدة أولاد وبنات لم يعش منهم ولا منهن أحد، فاتفقاً عند قرب ولادتي أن يخرجاني فور ولادتي إلى من ترضعني خارج البيت، بل خارج نطاق المدينة، فإن أصابني ما أصاب إخواني من "الموت المبكر" كان ذلك أهون وقعاً، وإن عشت فمن اليسير إعادتي إليهما، ويكمل قصة ميلاده بأن والديه وضعاه عند أحد الأسر ليقوموا بإرضاعه مدة الرضاعة وهي سنتان، وكانت هذه الأسرة التي تكفلت بإرضاعه تأتي به لأسرته حتى اكتملت مدة الرضاعة ثم استقر به الحال في ظل والديه مع أخيه أمين مدني، توفي والدهما وكان عمر عبيد مدني الخامسة فكفلهما عمهما زيد العابدين مدني.

معالي الأمور

يقول الأديب والمؤرخ عبيد مدني -رحمه الله- في مذكراته: والدتي هي أول موجّه لي في الحياة فقد طبعت في نفسي حب المجد والشغف بمعالي الأمور والتمسك بالمعنويات الفاضلة -الأخلاق الكريمة- بما كانت تحدثني به دائماً عن والدي وعن سيرته ومركزه وجاهه ومكارم أخلاقه، وكيف التف حوله الناس حتى جعلته مثلاً يكون فوق كل مثل، وحتى تمنيت أن أحذو حذوه -انتهى كلامه-.

وأسرة مدني في المدينة المنورة من الأسر ذات الوجاهة والمكانة الاجتماعية وأصحاب تجارة وأهل ثراء وإحسان وبر ومعروف على الناس، يتحدث المؤرخ الأديب عبدالحق بن عبدالسلام النقشبندي في إحدى مقالاته عن والد عبيد مدني الوجيه عبدالله مدني قائلاً: واشتهر عبدالله بكرمه وكان بساطه ممدوداً لكل غادٍ ورائح وكان يمنح -يعطي» الفقراء منحاً خفية دنانير ذهبية-.

فندق كبير

ويذكر المؤرخ عبدالحق النقشبندي أن عبدالله والد عبيد قد بنى فندقاً كبيراً لإسكان الحجاج وهذا الفندق فيه 300 غرفة، في أوائل القرن الرابع عشر الهجري، وقد سكن في هذا الفندق كبار الشخصيات من خارج المدينة -انتهى-، والنقشبندي هو أحد أصدقاء الأديب عبيد مدني منذ الطفولة وفي الدراسة حتى توفي عبيد مدني وهو من رواد الصحافة -رحمه الله-.

وفي معجم المطبوعات العربية في المملكة العربية السعودية نقلاً عن مجلة المنهل عدد رجب لعام 1386 - 1966م دخل عبيد مدني المدرسة الفيصلية في العهد الهاشمي وحاز شهادتها، ثم دخل المدرسة الراقية لكنه لم يكمل بها، ثم كانت وجهته المسجد النبوي الشريف فدرس على العالم الشيخ محمد الطيب الأنصاري وكان هذا الشيخ له تأثير عليه ونال إجازته منه.

ميدالية الريادة

ويذكر المؤرخ عبدالحق النقشبندي عن صديقه عبيد مدني قائلاً: كان مولعاً بالأدب فتتلمذ على الشيخ محمد العمري، ويذكر علي جواد الطاهر أن الشيخ العمري هو الذي وجهه إلى التاريخ والأدب -معجم المطبوعات في المملكة العربية السعودية-، ويتحدث عبدالحق عن صديقه عبيد أنه يأتي شيخه العمري في منزله فيدرس عليه ويذكر كذلك أن لوالد الأديب عبيد مدني مكتبة حافلة بالكتب فكان يقرأ منها وهذه المكتبة كانت من مصادر ثقافة الأديب عبيد مدني، فهو نشأ في ظل هذه المكتبة الزاخرة ونهل من مواد هذه الخزانة النفيسة.

والأديب المؤرخ عبيد مدني -رحمه الله- أدرك الحرب العالمية الأولى لنقف على وصفه لحالة المدينة المنورة يذكر في مذكراته وذلك عام 1333هـ يقول: خلت محلات المدينة وميادينها وأسواقها وأزقتها وأحواشها وكل دار من دورها من سكانها فتبدل الضجيج بصمت رهيب.

وعبيد مدني -رحمه الله- كان من الشعراء المجيدين، وقد صدر ديوانه بعد وفاته باسم (المدنيات) -ثلاثة أجزاء-، وقد منح ميدالية الريادة في مكة عام 1394هـ من بين 34 أديباً وذلك حينما شارك في المؤتمر الأول للأدباء في العاصمة المقدسة مكة.

مجال السائلين

وتعلّق الرائد الصحفي عبيد مدني -رحمه الله- بالصحافة منذ شبابه وبواكير عمره، فقد كتب بقلمه الصحفي في صحيفة أم القرى ومجلة المنهل، والمنهل خصها بالكثير من إبداعاته النثرية، وهي تحوي مقالات ودراسات وتراجم في التاريخ واللغة والفكر والاجتماع، وكتب في صحفية عكاظ والبلاد وصوت الحجاز وفي مجلة العرب، وأما صحيفة المدينة فقد كتب فيها زاوية تاريخية بعنوان مجال السائلين، وكان ترد إليه أسئلة من القراء، كما كان له عمود بعنوان خواطر الأسبوع، وكتب أيضاً في بعض الصحف المصرية وفي مجلة العرفان اللبنانية.

والمؤرخ الصحفي عبيد مدني -رحمه الله- عُيّن على وظائف حكومية منها أنه عين مديراً لأوقاف المدينة المنورة، ثم انتخب في مجلس الشورى نائباً عن المدينة، وسكن مكة لأجل هذا التعيين، وقد كان مع الوفد عضواً، والذي مثل مكة في الرياض، حيث التقى الوفد بالملك عبدالعزيز -رحمه الله- في الرياض عام 1360هـ، وأخيراً صدر الأمر السامي بإحالته على التقاعد عام 1373هـ.

غزير المعرفة

وبما أن الرائد الصحفي عبيد مدني -رحمه الله- باحث في التاريخ وغزير المعرفة بتاريخ المدينة المنورة، ويعد مرجعاً ومصدراً من مصادر تاريخ المدينة المنورة، فقد كتب بقلمه التاريخي أسفاراً في تاريخها، وحقق ودقق في هذا التاريخ المدني بما كتبه الأقدمون عن تاريخ المدينة وغيرهم من المؤرخين والرحالة وعلماء البلدان، فقد كان له جلد وصبر على قراءة هذه الكتب القديمة مطبوعها ومخطوطها، وكانت المدينة بها خزائن كتب ومخطوطات، ومن خلال هذه القراءة الفاحصة الحصيفة كانت هناك استدراكات وتعقبات وتصحيحات وإضافات تاريخية، فالمؤرخ عبيد مدني مؤرخ كبير وعميق بتاريخها، وهو من طبقة المؤرخين في العصر الحديث للمدينة مثل الشيخ إبراهيم العياشي والشيخ أحمد الخياري أحد من كتب في تاريخ المدينة ولا بد أنهم اجتمعوا وتذاكروا.

مصنفات تاريخية

وكتب عبيد مدني -رحمه الله- عدة مصنفات تاريخية ومنها موسوعاته عن تاريخ المدنية المنورة، وهذه الموسوعات في عدة مجلدات، قال عنها المؤرخ عبدالقدوس الأنصاري: كثيراً ما كنا نتحدث -يقصد مع عبيد- عن ضرورة طبع كتابه الفذ الذي قضى جل عمره في كتابته وتحقيقه، وتزويده بأكبر قدر يمكن من المعارف عن تاريخ المدينة المنورة الشامل، وقد دون تلك المعارف الثمينة في أجزاء ضخام حسنة الترتيب جميلة البيان والتبويب، كل جزء منها في كتاب مستقل، ويواصل عبدالقدوس الأنصاري الحديث عن إنتاج عبيد مدني التاريخي قائلاً: ومن أجداها نفعاً وأبعدها صيتاً تواريخ المدينة ومؤرخوها، وكان يدخل إلى مكتبته الخاصة ويخرج لنا أجزاء هذا الكتاب النفيس، فنقرؤه فنتدارسه، فألح عليه بضرورة القيام بنشره فيعد ويقول لي: لا بد من مراجعة أخيرة لنصوصه وإكمال نواقصه ومن ثم نقدمه للطبع إن شاء الله.

ومن جانب آخر يضيف الرائد الصحفي أحد مؤسسي صحيفة المدينة علي حافظ قائلاً: وعكف على تأليف تاريخ المدينة مدة تزيد على عشر سنوات، وبلغ الكتاب اثنى عشر مجلداً رأيت بعضها وكان يعتزم طبعه هذا العام، والجدير بالذكر أن المؤرخ والرائد الصحفي عبدالقدوس الأنصاري رئيس تحرير مجلة المنهل والرائد الصحفي علي حافظ هما من أصدقاء المؤرخ عبيد مدني، كانت صداقة حقة تقوم على الأدب والتاريخ، صداقة من أجل الصداقة، لذلك استمرت حتى رحيل المؤرخ عبيد مدني -رحمه الله-.

ومن مؤلفاته (تاريخ المسجد النبوي) و(تاريخ مساجد المدينة) و(تاريخ آطام المدينة) و(حصون المدينة)، وعلّق المؤرخ محمد علي مغربي في كتابه الرائد (أعلام الحجاز) في ترجمته للمؤرخ عبيد مدني.

جائرة باسمه

ومرض عبيد مدني وتوفي وهو في الثالثة والسبعين من العمر، توفي دون أن ينشر كتبه (أعلام الحجاز)، نعم فمازالت هذه النفائس التي كتبها هذا المؤرخ الحصيف مخطوطه منذ وفاته عام 1396هـ، يعني أنها من حين وفاته حتى كتابة هذا التقرير مكثت سبعة وأربعين عاماً -نصف قرن تقريباً-، وأنا أدعو أبناءه الأجلاء وهم على مستوى كبير من العلم والثقافة أن يبادروا إلى نشر هذا العلم النافع لوالدهم، فالعلم النافع هو إحدى ثلاث ذكرها المصطفى عليه الصلاة والسلام من الأعمال التي قد لا ينقطع أجرها بعد موت المسلم كما ثبت ذلك، خاصةً أنه تم إنشاء جائرة باسمه لتاريخ المدينة المنورة الحضاري تقديراً لجهوده المميزة لهذا أدعوهم إلى نشرها.

من آثار عبيد مدني -رحمه الله- المخطوطة كتاب (تاريخ الحجرة المقدسة) و(أمراء المدينة المنورة)، كذلك شغل أعمالا أخرى فهو عضو في عدة لجان، وكان رئيساً لجمعية الدفاع عن فلسطين، وعضواً في مجلس الأوقاف الأعلى، وعضواً في لجنة تحديد الحرم عام 1389هـ.

توفي عبيد مدني يوم الأربعاء بتاريخ 10 / 11/ 1396هـ، ونقل جثمانه إلى المدينة المنورة وصُلي عليه بالمسجد النبوي، ودُفن في البقيع رحمه الله وغفر له وتجاوز عنه وأكرم نزله.

عبيد مدني -رحمه الله-
د. نزار عبيد مدني وزير الدولة للشؤون الخارجية سابقاً
علي حافظ أحد مؤسسي جريدة المدينة
عبدالقدوس الأنصاري صديق المؤرخ عبيد مدني
ديوان المدنيات صدر بعد وفاة عبيد مدني
عبيد مدني حقق ودقق في التاريخ المدني
إعداد- صلاح الزامل