مرة أخرى، وتحت مظلة رؤية 2030، يفاجئنا سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، بخطوة استثنائية، تتوج مسيرة الاقتصاد الوطني، وتدفعه إلى الأمام، بإطلاق الاستراتيجية الوطنية للاستثمار، التي وكأنها تعلن عن مملكة جديدة، باقتصاد عالمي حديث، لديه كل مقومات البقاء والنمو والتوسع، من خلال منظومة اقتصادية شاملة، تتمتع بتنويع مصادر الدخل، جذب الاستثمارات الأجنبية.

شعرت بالراحة والاطمئنان، وأنا أتابع تفاصيل هذه الاستراتيجية، وما تضمنته من أهداف وبرامج، أكاد أجزم أنها ستكون بداية لمرحلة جديدة، ينتعش فيها الاقتصاد الوطني، وأعني بدء طفرة الاستثمارات الأجنبية، التي أرى أنها الترمومتر الحقيقي لقياس قوة اقتصاد أي بلد، ومعرفة قدرته على مواجهة التحديات وامتصاص الصدمات.

لا أبالغ إذا أكدت أن مشهد الاقتصاد السعودي في عقود مضت، كان زاهياً ومطمئناً بعدما تطور ونما بمعدلات ضخمة، بفعل مبيعات النفط، إلا أن هذا المشهد كان في حاجة إلى جذب الاستثمارات الأجنبية، التي لم تكن في حجم التطلعات، وما أن جاءت رؤية 2030، وأعلنت أن مسلسل الاعتماد على دخل النفط ينبغي أن يتوقف، إلا وبدأت الاستعدادات الجادة لتفعيل هذا الهدف، وكانت البداية بإصلاح 60 في المائة من سلبيات الاقتصاد الوطني، شملت ترسيخ 400 إصلاح على أرض الواقع، إذ عالجت أخطاء الماضي، وتتبعت الفساد والمفسدين، ورسخت مبادئ التعامل التقني، وأطلقت الطاقات الكامنة لدى الشباب، وأوعزت لهم أن البقاء يقتصر على أصحاب الأفكار التي تأتي من خارج الصندوق، وأوصت بإيجاد جيل كامل من رياديي ورائدات الأعمال، وأوقفت المحسوبية واستغلال النفوذ، كل هذا وغيره كان يمهد الطريق اليوم لإطلاق الاستراتيجية الوطنية للاستثمار، تلك الاستراتيجية التي أتوقع لها أن تحقق وبنجاح باهر، باقي تطلعات الرؤية، في أن يكون للمملكة اقتصاد محلي، يتسلح بكل مواصفات الاقتصادات الدولية، من القوة والاستدامة، وتنويع مصادر الدخل.

على الجانب الآخر، كانت التغييرات الاجتماعية والثقافية التي شهدتها المملكة تكشف عن فرص استثمارية جديدة وواعدة في العديد من القطاعات، وهذا ما يستهدفه اليوم المستثمر الأجنبي، الذي بدأ يشعر بالأمان للعمل في المملكة دون سواها، خاصة بعدما سهلت الحكومة كثيراً من اشتراطات الاستثمار، وتقليص فترة إصدار رخصة المستثمر الأجنبي من ثلاثة أيام إلى ثلاث ساعات.

ويجب ألا يمر علينا ما تشهده المملكة خلال العامين الماضيين من تحولات جذرية شاملة، يقودها سمو ولي شجائحة كورونا وتداعياتها السلبية التي مازالت باقية حتى اليوم، وفي ذلك إشارة واضحة إلى أن المملكة عازمة على استكمال مشروع بناء الاقتصاد الوطني من جديد، وإعادة توجهاته وتحديد أهدافه، وستتوج استراتيجية الاستثمار هذه الجهود، عندما نرى الأموال الأجنبية وقد تدفقت في شرايين الاقتصاد الوطني، معلنة عن دوران عجلة الإنتاج، وتوفير فرص العمل لأبناء الوطن.