في عام 2003م، كنت ما أزال أدرس في جامعة واسيدا في طوكيو. وصادف ذلك العام زيارة إمام الحرم المكي الشريف الشيخ محمد السبيل -رحمه الله- إلى اليابان وحظيت بشرف مرافقة فضيلته وترجمة محاضراته في الجامعات والمساجد في أكثر من مدينة في كافة أنحاء بلاد الشمس المشرقة. وفي الأسطر التالية أستعرض معكم أهم الدروس القيادية التي تعلمتها من فضيلته في تلك الرحلة كما يلي:

أهمية التواجد في أرض الميدان: لم يكتفِ الشيخ السبيل -رحمة الله عليه- بخطبه من المسجد الحرام رغم وصولها وانتشارها الواسع على مدى ما يزيد على 44 عاما، ولم يكتفِ بمحاضرة واحدة في أكبر مساجد اليابان بل كان حريصاً على زيارة مختلف المساجد والجامعات والجمعيات والاجتماع مع القائمين عليها ومعرفة التحديات التي تواجهم والاستماع مباشرة للمشكلات التي تقف في طريقهم ومعاينتها على أرض الواقع، وهذا هو حال القائد الناجح الذي يحرص معاينة مواقع الحدث والمصانع والمكاتب ولا يكتفي بالبيانات والتقارير التنفيذية.

الهمة العالية: كان عمر الشيخ محمد السبيل رحمه الله نحو 80 عاماً عندما زار اليابان، ومع ذلك فقد كان يفرض عليك احترامه وإجلاله وأنت ترى همته وحماسه، ووصل الأمر إلى إلقاء محاضرات في ثلاث مدن يابانية مختلفة في يوم واحد، ويكفيك أنه زار أكثر من خمسين دولة وقام بأكثر من 100 رحلة لإلقاء المحاضرات، وفي هذه الحقائق تحفيز للشباب ولمن وصلوا سن التقاعد المهني بأن التقاعد من الوظيفة ليس نهاية الحياة بل بداية حياة جديدة كلها أمل وإنتاجية إذا وجدت الإرادة والعزيمة.

التواصل الفعال: كان الشيخ محمد السبيل -رحمه الله- يحرص على الجلوس مع الناس والتحدث إليهم في زياراته دون الاكتفاء بكبار المسؤولين، فيجيب عن أسئلة طلاب الجامعات والناس البسطاء ويجلس معهم بكل أريحية، وهكذا القادة الناجحون الذين يتواصلون مع فريقهم ومع الجمهور مباشرة ولا يضعون أنفسهم في أبراج عاجية ومكاتب مغلقة.

النجاح المهني وفي الأسرة: كان الشيخ محمد السبيل يهدي الجامعات والمساجد كتباً ألفها ابنه إمام الحرم المكي الشيخ عمر السبيل -رحمهما الله- والذي توفي قبل زيارة والده إلى اليابان. ولا أنسى لحظة مؤثرة عندما عرض إمام مسجد في اليابان صورة للشيخ عمر السبيل والذي زار نفس المسجد وألقى محاضرة فيه قبل سنوات عام 1424هـ. رائع أن يصنع الإنسان الأثر الإيجابي في المجتمع ولا تشغله مشاغل الحياة عن تربية أبنائه وتنشئتهم ليكونوا نماذج صالحة تصنع الخير في المجتمعات.

ويبقى الدرس الأخير والأهم، ألا وهو حسن الظن بالله وصدق التوكل عليه. وأختم بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم الذي ترجمته لليابانية خلال محاضرات الشيخ محمد السبيل -رحمه الله-، وهو قوله عليه الصلاة والسلام لعبدالله بن عباس رضي الله عنه: "يا غلام إني أعلمك كلمات احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف".