أحمد بن محمد المانع -رحمه الله- من الذين يعملون بصمت وهدوء وسكينة، وهذه الفئة في وطننا من الرعيل الأول العصاميين في حياتهم كلها، لا يتحدثون عن أنفسهم وما أنجزوا من أعمال، ولا يطرون ذواتهم أمام كل من قابلوه، وإذا كان ثمة ملاحقة إعلامية تلاحقهم فهم أول الناس من يفر منها ويرفضها ويمتنع عنها أشد الامتناع، والأديب أحمد المانع ظل هكذا في مسيرته في وظيفته بالسفارة السعودية في القاهرة، وحينما كان مندوباً دائماً للثقافة والعلوم بجامعة الدول العربية، وأعتقد أن الكثير من المبتعثين إلى مصر للدراسة -في تلك الفترة- له قصة مع المانع في السفارة السعودية، نعم قصة أو موقف تدخل فيه المانع لحل هذه المشكلة، أو تلك العقبة التي واجهت هذا الطالب، وكانت النتيجة سارّة لهذا المبتعث المغترب، ولعل بعضهم يقرأ ما أكتب الآن عن شخصيتنا ويتذكر ما قابله به، ومن الوفاء له أن يدعو الله له بالرحمة والمغفرة، فهذا الذي سوف ينفعه، وهو الآن تحت الأرض بعدما كان فوقها، لا يريد بأعماله هذه الجزاء والمكافأة والشكر والتقدير من الناس، فكرام النفوس -أمثال المانع- هم من هذه الصفوة المثالية التي ترى من واجبها خدمة من يلجأ اليها في كل ظرف وحال، وفي هذه الأسطر نتعرف على هذه الشخصية المثالية قولاً وفعلاً.

هو أحمد بن محمد بن عبدالعزيز بن مانع، والده العلامة الشيخ محمد بن عبدالعزيز بن مانع -مدير المعارف بالمملكة- وجدّه الشيخ عبدالعزيز بن مانع وعم والده الشيخ عبدالله بن مانع -قاضي عنيزة-، نشأ أحمد في بيت والده العالم محمد بن مانع وأخذ عن والده العلم الشرعي، بل تأثر به من حيث عشق القراءة والشغف بالكتاب وشرائه مهما غلا ثمنه، وقد درس على علماء المسجد الحرام بمكة كما يذكر ابنه خالد عبر أسئلة وجهتها إليه عن والده.

توجيه وإرشاد

وثقف أحمد المانع -رحمه الله- نفسه بالانكباب على الكتب من مختلف الفنون الأدبية والتاريخية، وأصبحت القراءة بالنسبة إليه عادته التي لا ينفك عنها، وبهذا كون ذاته ثقافياً وعلمياً، ولا يبعد أن يكون لوالده العلامة محمد بن مانع توجيه وإرشاد لابنه أحمد؛ لأن الشيخ محمد بن مانع قارئ في مختلف المجالات من أدب وتاريخ وسير، فضلاً أنه عالم بالشريعة، ومن تلك القراءة المتواصلة كان الأديب أحمد المانع أحد من يرجع إليها في دقائق العلم والمطبوعات والمخطوطات وفنون العلم.

رئاسة بعثة

ومن أهم القيادات التي عين عليها الأديب أحمد المانع -رحمه الله- رئاسة بعثة الطلاب السعوديين في مصر، ثم تغيّر اسم هذه الوظيفة إلى الملحقية الثقافية، يقول خالد بن أحمد المانع عن والده: كان الوالد في خدمة الطلاب المبتعثين لتسهيل التحاقهم بالجامعات ورعايتهم، وكذلك التعاقد مع المدرسين للعمل في المملكة وغيره الكثير.

وتحدث د. عبدالرحمن الشبيلي في كتابه (أعلام بلا إعلام) عن شخصيتنا المانع قائلاً: ظل المانع طيلة عمله في الملحقية الثقافية السعودية في القاهرة سنداً للمبتعثين، مرناً معهم، سخياً بماله الخاص، يستضيف ويسلف ويوظف علاقاته في سبل تسهيل قبولهم والحصول على مقاعد ومنح دراسية في الكليات العليمة بالذات. -انتهى كلام د. الشبيلي رحمه الله-.

تذليل الصعوبات

ومكث أحمد المانع -رحمه الله- مسؤولاً عن هؤلاء الطلاب، فأصبح أباً ووالداً يقدم لهم كل ما فيه تذليل الصعوبات وتسهيل إجراءات قبولهم في هذه الكليات، فالمانع ذلك الإنسان الطيب دمث الأخلاق مع كل الصغير والكبير ومن علت به المراتب والمناصب ومن كانوا في مستوى متواضع في الرتبة والدرجة، كان -رحمه الله- سخياً بماله، ولم يكن ذا مال وثروة، لكن السخاء والجود طبيعة به، جمع المانع السخاء بالمال والجود بالجاه، ليس لمصالحه الشخصية بل لأبنائه التلاميذ وغيرهم من السعوديين الذين يفزعون إليه، حدثني الأديب بدر بن حمد الحقيل قائلاً: إنه فقدت إحدى قريباته جواز سفرها في القاهرة فكلمته لما أعرفه عنه من شهامة ومروءة، فحل المشكلة بسرعة، ويكمل الحقيل: المانع كان يزورني في مقر إقامتي بالقاهرة وأسعد بحديثه، وسمعت عبدالعزيز التويجري صاحب مكتبة اللواء للنشر والتوزيع يثني عليه وعلى أخلاقه وأنه كريم بماله الخاص للمحتاجين لمن يقصده وينخاه، فالمانع حقق المقالة الصائبة أن المناصب والوظائف لم تجعل إلاّ لخدمة الناس.

والمانع حينما كان ملحقا ثقافياً هو الوالد لجميع الطلاب المبتعثين، والوالد من واجبه نحو أولاده النصح والتوجيه والإرشاد والتربية لهم والحنو عليهم والرأفة بهم، وقد يكون حازماً مع بعضهم، وهكذا التربية تتطلب اللين وفي أحايين أخرى الحزم والصرامة، والحكمة هي سيدة الموقف، والمانع وهبه الحكمة والعقل والسداد في الرأي، وقد وفقه الله عز وجل في هذه الوظيفة، وشكره كل من تعامل معه أو اتصل به، فهذا انطباع عام كنت أسمعه عنه.

معرفة الكتب

وأحمد المانع -رحمه الله- مع أنه شخصية تربوية إلاّ أن عمله أكسبه كيفية التعامل مع الطلاب، ومع هذا فهو يعد من الأفذاذ في معرفة الكتب ومؤلفيها وطبعات الكتب، ومثقف ثقافة قوية، وكما قلت في بدايات هذا التقرير أن تأثير والده الشيخ محمد بن مانع عليه كان كبيراً، وقد أثنى عليه عالم الأحساء المؤرخ محمد بن عبدالله بن عبدالقادر في كتابه (تحفة المستفيد) بأنه فقيه محقق متخصص في معرفة الكتب ومؤلفيها، ولحبه للثقافة كانت القاهرة في أيام أحمد المانع بها أساطير الأدب والفكر والتراث وأصحاب القلم، كان يتردد على ندوات هؤلاء الأدباء رغم انشغاله صباحاً بعمله في الملحقية الثقافية ومندوباً دائماً للثقافة والعلوم بجامعة الدول العربية، ويقول خالد بن أحمد المانع عن والده: كان محباً للعلم والاطلاع خاصةً الآداب والتاريخ وعلوم الدين، وكان محمود شاكر -رحمه الله- من المقربين والمحببين له، كان يذهب إليه كل ثلاثاء وقد تعلم من محمود شاكر -انتهي كلام خالد المانع-.

علاقة صداقة

وكانت علاقة أحمد المانع -رحمه الله- بالعلامة محمود شاكر -رحمه الله- ليست علاقة تلميذ بشيخه، بل هي علاقة صداقة يتبادل كل منهما الود والمحبة الصادقة، حتى أن محمود شاكر ذكر في إحدى جلساته عندما أثنى على زوجته وعلى كرم أخلاقها معه، ذكر أن من دفعه للزواج هو أحمد المانع وذلك سنة 1964م؛ لأن محمود شاكر تأخر في زواجه انشغالاً بالعلم والتأليف والتحقيق وإفادة التلاميذ، ويقيني أن أحمد المانع يعرف الكثير عن حياة محمود شاكر ولعله أقرب السعوديين إليه، ولكن للأسف الشديد أن المانع لم يكتب شيئاِ من سيرته ولم يدون مذكراته ولم يحبر يومياته، فلم يأخذ من والده الشيخ محمد المانع التدوين والتقييد والتأليف، فوالده كتب يومياته ودوّن مذكرات في التاريخ النجدي وشيء من سيرته، وقد نشرها الشيخ حمد الجاسر في مجلة العرب بواسطة أحمد المانع، يقول حمد الجاسر عن هذه المذكرات التاريخية: واطلعني الصديق الكريم أحمد بن محمد بن مانع على دفتر صغير سجل فيه والده بعض مذكراته ومن بينها معلومات تاريخية، وقد نقلت جل ما دونه من المعلومات التاريخية في هذه الأوراق، ويظهر أنه سجل تلك المعلومات في أوقات مختلفة من عام 1329هـ وفيما بعدها -انتهى من كتاب معجم المطبوعات العربية في المملكة العربية السعودية لعلي جواد الظاهر-.

سعة اطلاع

وأثنى على أحمد المانع -رحمه الله- الشيخ عبدالله البسام في كتابه علماء نجد في طبيعتيه الأولى والثانية بسعة الاطلاع ومعرفة الكتب والمخطوطات في ترجمته لوالده الشيخ محمد بن مانع.

ونوّه بذكره صالح بن سليمان العمري في كتابه علماء آل سليم وتلامذتهم في ترجمته لمحمد بن مانع عند ذكر أولاده حيث قال: وأحمد وهو عالم باحث ويقيم الآن بالقاهرة ويعتبر في وقتنا من أعلم الناس بالمخطوطات النادرة في مكتبات العالم.

وفي مقال زهير الشاويش يذكر في رثائه لأحمد المانع أنه عرفه في صالون محمود شاكر، وحصلت بين الشاويش والمانع رسائل متبادلة فيها اقتراحات في طبع بعض الكتب، ويتابع زهير الشاويش حديثه عن المانع أنه كان يزوده بالنصائح التي تفيد المكتب الإسلامي الذي أسسه الشاويش لطباعة الكتاب الإسلامي.

خدمة الناس

وعلى الرغم من جهود أحمد المانع -رحمه الله- في خدمة المبتعثين وبالأخص في قبولهم بالجامعات المصرية إلاّ أنه توارى عن الإعلام المرئي والمسموع والمقروء، فهو راهب في محراب خدمة طلاب العلم، وهؤلاء أمثال المانع من أصحاب المروءات حينما يقدمون الأعمال ويجدون سعادة في خدمة الناس فضلاً أنه يرى أن خدمة من لاذ به من أوجب الواجبات.

وعندما أسمع عن شهامة المانع وغيره من أهل الشهامة أردد أبيات الشافعي إمام الفقهاء وفقيه الشعراء وهي:-

وأفضل الناس ما بين الورى رجل

تقضى على يده للناس حاجات

لا تمنعن يد المعروف عن أحد

ما دمت مقتدراً فالسعد تارات

واشكر فضائل صنع الله إذ جعلت

إليك لا لك عند الناس حاجات

قد مات قوم وماتت مكارمهم

وعاش قوم وهم في الناس أموات

مقاعد الطب

وتحدث عبدالعزيز النعيم عن صديقه أحمد المانع -رحمه الله- قائلاً: المانع الذي آخر منصب له الملحق الثقافي في جمهورية مصر، كان رجلا حكيماً في تصرفه مع طلاب البعثات السعودية، وكان كريماً جداً ومصاريفه المالية أكثر مما يدفع له من راتب، وبهذا الكرم استطاع أن يحصل على مقاعد في كليات الطب للطلاب السعوديين في مصر، حتى في إحدى السنوات استطاع إلحاق 320 طالباً في كلية الطب بمفرده، وكانت لديه قيمة كبيرة في مكتب الوافدين الذين يقبلون الطلاب السعوديين بالكليات، يهدي عليهم ويكرمهم ويقنعهم أن هؤلاء الطلاب الذين يلتحقون بكليات الطب سوف يعالجون الحجاج المصريين في موسم الحج، وكان يقيم لهم ولائم ويدبر لهم مصاريف الحج والعمرة من ماله الخاص، وأما ما يفعله مع الطلاب السعوديين وطلاب دول الخليج فكان يكرمهم كلهم، رحم الله أبو عبدالله وأكرم الله منزله عنده وجعله من المقبولين في عليين والله الموفق.

هذه محطات موجزة عن رحلة أحمد المانع الذي كان مثلاً للمروءة والكرم والعطاء في السفارة السعودية بمصر، توفى في شهر جمادى الأولى لعام 1428هـ، وكان ميلاده عام 1343هـ، وعاش بقية حياته منذ أن تقاعد في مدينة الرياض، وكان يحضر جلسات أصدقائه في منازلهم، خاصةً جلسة حمد الجاسر في منزله يوم الخميس حتى توفي الجاسر -رحمه الله-، رحم الله أحمد المانع وغفر الله له وأسكنه جنات النعيم، فهو نادرة من نوادر الرجال وشخصية مميزة واستثنائية.

أحمد المانع في شبابه
المانع تميز بالحكمة مع طلاب البعثات السعودية
العلامة محمد بن عبدالعزيز المانع والد أحمد
محمود شاكر صديق أحمد المانع
المانع يعد من الأفذاذ في معرفة الكتب ومؤلفيها
إعداد- صلاح الزامل