يتضمن كتاب شجر الدرّ ستَ شجرات، منها خمس ذوات فروع، والسادسة لا فروع لها، وهي: «الصحن والهلال والثور والعين والرؤبة والنعل»..

اهتمّ العلماء الأولون باللغة العربية وبكل فرع من فروعها، فجمعوا ألفاظها، وألفوا كتباً نادرة، وتعدّ ظاهرة الاشتراك اللفظي وتعدد معاني المفردات من بين أهم الظواهر التي تمتاز بها اللغة العربية، وقد كتب علماء اللغة القدماء في هذه الظاهرة كما اختلفوا في وجودها وفوائدها، ومن المؤلفات التي اهتمت بتعدد معاني المفردات كتاب "شجر الدرّ في تداخل الكلام بالمعاني المختلفة"، والمشجَّر يعني المشترك اللفظي، أي دلالة الكلمة الواحدة على عدة معانٍ، بعضها على سبيل الحقيقة وبعضها الآخر على سبيل المجاز.

والمشجر في اللغة: هو اسم مفعول للفعل شَجَّر يشجر تشجيراً، وعرّفه اللغوي ابن فارس في معجم مقاييس اللغة بقوله: "والمشجَّر سمي مشجراً؛ لتداخل بعضه في بعض".

وأمّا في الاصطلاح فإنه يؤتى بالكلمة المشتركة -كالعين مثلاً- على نمط شجرة يُفرّع من معانيها المختلفة فروعاً، فيُسْتَرسل في تفسير الكلام على الوجه المشترك، حتى تبلغ الشجرة مئة كلمة أو أكثر، وكلها متسلسلة في كلمة واحدة، على نحو ما سيأتي من أمثلة.

وأول من صنف كتابًا في التأليف المُشَجَّر هو أبو عمر المُطَرَّز الراوية المتوفى سنة 345هـ، سماه "المُداخِلُ في اللغة"، وكان يعاصره أبو الطيب اللغوي العسكري الحلبي المتوفى سنة 351هـ، فألف كتاباً سماه "شجر الدرّ" وقال في مقدمته: "هذا كتاب مُدَاخلة الكلام بالمعاني المختلفة، سميناه "شجر الدرّ" لأنَّا ترجمنا كلَّ باب منه بشجرة، وجعلنا لها فروعاً، فكل شجرة مئة كلمة، أصلها كلمة واحدة، تتضمن من الشواهد عشرة أبيات من الشعر، وكلُّ فرع عشر كلمات، فيها من الشواهد بيتان، إلا شجرة ختمنا بها الكتاب، لا فرع لها، ولا شاهد فيها، عدد كلماتها خمسمئة كلمة، أصلها كلمة واحدة، وفي آخرها بيت واحد من الشعر". وهكذا ابتدع أبو الطيب هذه التسمية لهذا النوع من ألفاظ اللغة، فسبب التسمية كما يقول: "لاشتجار بعض كلماته ببعض، أي تداخلها؛ فكل شيء تداخل بعضه ببعض فقد تشاجر، ومنه سميت الشجرة شجرة لتداخل فروعها في بعض، ومنه سُمّي مِشْجب الثياب مِشْجَراً.. ويقال: تشاجر القوم بالرماح واشتجروا بها، إذا تطاعنوا، لِما في ذلك من المداخلة، وقد اشتجروا وتشاجروا، وفي القرآن: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم)".

يتضمن كتاب شجر الدرّ ستَ شجرات، منها خمس ذوات فروع، والسادسة لا فروع لها، وهي: "الصحن والهلال والثور والعين والرؤبة والنعل".

أمثلة للمشجر أوردُ بعضها بشيء من الإيجاز:

  • شجرة (2) الهلال:

    "الهلال: هلال السماء، والسماء: منسج الفرس، والمنسج مُمتد نيرِ الحائك، والنيرُ: علمُ الثوب، والعلم: الجبل الشامخ، والشامخ: التائه على الناس، والتائه: الضائع، والضائع ذو الضيعة، والضيعة: العطلة..".

    من فروع الهلال:

فرع (1): "والهلال: حديدة كالهلال بيد الصائد يعرقب بها الحمار الوحشي..".

فرع (2): "والهلال: ذؤابة النعل، والذؤابة: ما ذاب من الصفْر، والصفْر: الخالي من الأواني، والخالي الذي لا زوج له، والزوج: الذكر والأنثى، قال الشاعر:

وكنَّا كزوجٍ من قطا في مفازةٍ

لدى خفضِ عيشٍ مونِقٍ مورقٍ رَغْدِ

أصابهما ريبُ الزمانِ فأُفْرِدا

ولم ترَ عيني قطُّ أوحشَ من فَرْدِ..".

  • شجرة (4) العين:

    "العين: عين الوجه، والوجه: القصد، والقصد: الكسر، والكسر: جانب الخباء، والخباء: مصدر خابأتُ الرجلَ إذا خبأتَ له خَبْئاً، وخبأ لك مثله، والخبءُ: السحاب من قوله تعالى: (يُخرج الخبءَ في السموات والأرض)، والسحاب: اسم عمامة كانت للنبيِّ، والنبيُّ: التلُّ العالي، والتلُّ: مصدر التليل وهو المصروع على وجهه، والتليل: صفح العنق، والعنق: الرِّجل من الجراد، والرِّجل: العهد، والعهد: المطر المعاود، والمعاود: المريض الذي يعودك في مرضك، وتعوده في مرضه، والمريض: الشاكّ والمرض في القلب، وفي التنزيل (في قلوبهم مرض)، والشاكّ: الطاعن يقال: شكَّه إذا طعنه، والطاعن: الداخل في السن".. إلى آخر ما في المشجر.

    من فروع العين:

فرع (1): "والعين: عين الشمس، والشمس: شِماسُ الخيل، والخيل: الوهم، والوَهْم: الجمل الكبير، والجمل: دابة من دواب البحر، والبحر: الماء المِلْح، والمِلْح: الحُرمة، والحُرمة: ما كان للإنسان حرامًا على غيره، وحرام: حيٌّ من العرب، والحيُّ: ضد الميت. قال الشاعر:

لقد أسمعتَ لو ناديت حيَّا

ولكن لا حياةَ لمن تنادي

ولو نارًا نفختَ بها أضاءتْ

ولكن أنتَ تنفخُ في الرّماد".

فرع (2): "والعينُ: النقد، والنقد: ضربُكَ أذن الرجل أو أنفه بإصبعك، والأُذُنُ: الرجل القابل لما يسمع، والقابل: الذي يأخذ الدلو من الماتح، والدلو: السير الرفيق، والرفيق: الصاحب، والصاحب: السيف..".

فرع (3): "والعينُ: موضع انفجار الماء، والانفجار: انشقاق عمود الصبح، والصبح: جمع أصْبُح وهو لون من ألوان الأسود، واللون: الضرب من الضروب، والضرب: الرجل المهزول، والمهزول: الفقير، والفقير: المكسور فِقَر الظهر، والفِقَر: النوادر، والنوادر: أنوف الجبال، والأنوف: الأوائل من كل شيء..".

فرع (4): "والعين: عين الميزان، والميزان: برج في السماء، والسماء: أعلى متن الفرس، والمتن: الصلب من الأرض..".