طرق وأساليب إبليس قد يحدّثها لتتفوق وتتناسب مع تقنيات العصر بل قد يستغلها عياذًا بالله منه استغلالاً لا يتصوره إلا العقلاء، فالشر أصبح بين يدي كل ذي عينين وفي متناول كل ذي يدين، ولا ينجي منه إلا الالتجاء والاعتصام بالله سبحانه، ثم بالعلم وتوسيع المدارك واستغلال تقنيات العصر لنشر الخير ومحاربة الشر..

في التنزيل الحكيم «وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله» ونحوها كثير مما ينبه الله به العباد من خطر إبليس، ومن القدرة التي أعطاه الله إياها فتنة له وللعباد، وتلك القدرة قد صورها الله في كثير من الآيات مع وصفها بالضعف مقابل الإيمان، ولكن حديثنا هنا ليس عن هذا، بل عن تلك القدرات الخفية التي فتن بها إبليس واتصف بها، وهي بالنسبة للإنسان شيء خارق، وحلم مستحيل إذا ما تأملنا في مزاعم المخترعين والفيزيائيين، بدءًا بتقنية الاختفاء «إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم» وهي في أحلام البشر من الخيال العلمي، الذي تحوم حوله أفكار بعض أهل الفضول العلمي، ولكنها في إبليس وجنده حقيقة، والله أعلم بكنه ذلك التخفي، إلا أننا ندرك أن كل شيء في الكون له أسباب لحدوثه وتكوينه ووجوده، فالشياطين مخلوقات وجودية لا تراها أعين الناس، ولو قُدِّر أن إنسانًا قدر على التخفي لاستطاع أن يقلب موازين الحياة، ولعبث بما وصلت إليه يده، فالقدرة الخارقة فتنة لأهلها إلا من رحم الله، وقد أنتج في هذا الخيال أفلام عربية وأجنبية، أذكر من العربية (طاقية الإخفاء) ومن الأجنبية (الرجل الخفي).

ومع هذا فإن قدرات إبليس محدودة، وشره لا يقع ابتداءً إلا إذا وجد له مسلكًا وفُتح له باب من الشر بأيدي البشر «قال ربّ بما أغويتني، لأزينن لهم في الأرض، ولأغوينهم أجمعين، إلا عبادك منهم المخلصين» وقد يقصر فهم الناس عن تدبر هذا الإضرار، وهو في الحقيقة أمر غاية في الدقة، فقد يدفع إخلاص المخلص أذية إبليس عن بلاد بأكملها، فلا يلحق البلاد ضرر عام جراء تسلط إبليس، لوعد الله سبحانه واستثناء عباده المخلصين.

ومن تقنيات إبليس أنه «يوسوس في صدور الناس» وهي أيضًا قدرة محدودة بمن تسلط عليه، لكننا ومع ظهور تقنيات البشر واختراعاتهم نجد أن إيماننا بما أخبر الله به عن إبليس يزيد، فقد أصبح بمقدور البشر التقاط المعلومات وإرسال الأصوات ومحاولة قراءة "الأفكار" وغير ذلك كثير، ولا علاقة لهذا التقدم والتطور العلمي البشري بإيمانهم، فهو ناتج مجهود العقل، ولو كانت الخوارق والعلوم الدنيوية والتقنيات فارقة بين الهداية والضلال لكان إبليس من المهتدين لما له من صفات فتنه الله بها، ناهيك عن رؤيته للعالم الآخر.

وللشيطان قدرة على التحول إلى صورة بشر! وهو أمر قد لا يستوعبه إلا مؤمن بالله ورسوله، وله أيضًا قدرة على التلاعب بالنائم وتصوير الأحلام له، وتصوره فيها بالبشر إلا أنه لا يتمثل برسول الله كما في الحديث "من رآني فقد رآني حقًّا فإن الشيطان لا يتمثل بي" وقد جاء الشيطان أبا هريرة في صورة إنسان ليسرق من أموال الصدقة كما في الحديث الصحيح أيضًا. وربما كانت تلك القدرات ليست لإبليس فقط بل في عموم الجن ومنهم المؤمن ومنهم الكافر، إلا أن الله برحمته حال بين البشر وبينهم، إلا في حالات تخرج عن الأصل، وفي القرآن الكريم في قصة نبي الله سليمان في قصة عرش ملكة سبأ «قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك» فهذا العرض لو أنفقت شركات النقل البشرية في زمن التقنية الحديثة مليارات الدولارات لما استطاعوا فعله، ومقالي هنا لا يستطرد في هذا، ولكن من باب التذكير أن طرق وأساليب إبليس قد يحدّثها لتتفوق وتتناسب مع تقنيات العصر بل قد يستغلها عياذًا بالله منه استغلالاً لا يتصوره إلا العقلاء، فالشر أصبح بين يدي كل ذي عينين وفي متناول كل ذي يدين، ولا ينجي منه إلا الالتجاء والاعتصام بالله سبحانه، ثم بالعلم وتوسيع المدارك واستغلال تقنيات العصر لنشر الخير ومحاربة الشر. هذا، والله من وراء القصد.