قبل سنوات قليلة كانت في منزلي ثلاث غرف، رشقت جدرانها من الأرض إلى السقف بالكتب، وفي المدينة المنورة، حيث وُلدت ونشأت تركت عند مغادرتي لها، لطلب العلم والعمل، تلاً من الكتب، مازال حتى الآن يتنقل مع الإخوان من دار إلى دار، على أمل أن يعود صاحبه ويعيده إلى حضنه! وقد بدأت عند انتقالي من منزلي السابق في مدينة الرياض، التخلص من بعض هذه الكتب، التي لم أفتح أو استعرض الكثير منها كما ينبغي، وقد عانيت الكثير حتى قلصت كنزي من الكتب وليس من النقود، ليكون في حجم غرفة واحدة ومعها ربع غرفة النوم؛ ولا أدري والله ما هي مشاعر زوجتي، وهي ترى في وجهها كلما دخلت غرفتها أو تحركت فيها، رفين كبيرين عامرين بالكتب، مع تلة صغيرة أمام السرير، وتلة أصغر بجانبه! ورغم كل هذه الكتب إلا أن همي الأكبر مازال كما هو، فلم أزر دولة دون أن تكون أهم جولاتي فيها، في المكتبات أو معارض الكتب؛ بل إنني حتى الآن أحرص على حضور معارض الكتب الدولية في الرياض ودبي والقاهرة، وقبلها كلها كانت الكويت حتى غزوة صدام الفاشلة المخجلة لأرضها! ولا أعتقد أن هذه الهواية سوف تختفي أو تتقلص إلا إذا اختفى النظر تماماً، والحمد لله أنه مازال في حدود المعقول، مع الاستعانة في بعض الأوقات بطاقم من المكبرات، يعينني على التغلب على الموجة الجديدة من المؤلفات، التي بات ينجزها بعض الناشرين، بتصغير بنط الحروف، بحيث يصعب التعامل معها، بل إن زرقاء اليمامة وليس المذكور، سوف تجد صعوبة في قراءة هكذا كتب! ومع هذه الخطوة الجديدة في تصغير الحرف؛ ما شهدناه من الارتفاع المنظور في أسعار الكتب، بعد تخلي العديد من الدول عن دعم الكتاب بتخفيض الجمارك على الورق والأحبار وكل ما يدخل في صناعته أو نشره، وهو ما دفع بعض دور النشر إما إلى غلق أبوابها وإما إلى الطلب من بعض المؤلفين، قادرين أو غير قادرين، المشاركة أو دفع تكاليف ما يريدون نشره من الكتب، وفي هذه الحالة يغض الناشر عن المستوى، وهو ما يساهم أكثر وأكثر في أزمة الكتاب. واليوم الجمعة سوف يكون موعدنا، بعد غياب فرضته جائحة كورونا، مع المعرض الدولي للكتاب في العاصمة الرياض، وسوف تكون العراق ضيفاً على هذا المعرض، ففي هذا البلد الشقيق قامات في الرواية والشعر والمسرح، وهي فرصة لنرى ونسمع من الناشر والكاتب العراقي. وهذا المعرض، بشهادة الناشرين، يعتبر درة المعارض في تنسيقه وبرامجه ودرجة الإقبال عليه، للفرجة وحضور الفعاليات الكثيرة والشراء، عكس بعض المعارض التي يشارك فيها الناشرون دون أن يجنوا ما دفعوه لمنظمي المعرض، حتى أن بعض الدول، من باب المساندة، كانت تضع ميزانية خاصة للشراء منهم! وقد بدأت من الآن في إعداد نفسي لهذه المناسبة، التي تحل علينا ونحن وغيرنا من دول العالم، ما زلنا في أجواء هذه الجائحة، التي بدأنا نتعايش معها، وكأنها حمامة من حمام الدار!