يُعد عبدالعزيز الربيعي -رحمه الله- أديباً وكاتباً ورائداً من رواد الصحافة في بلادنا، وصاحب قلم سيال في صحفنا ومجلات أخرى في بيروت مثل الجديد، ومجلة الثقافة السورية، هو أديب كبير ومثقف ثقافة موسوعية، حتى أنه كان يدخر من دخله نقوداً لأجل أن يشتري الكتب من شدة تعلقه بالكتاب والقراءة، فضلاً عن أنه ذو قلم وعنده غزارة معرفة بالأدب ومعارف متنوعة، فهناك جانب كبير في حياته وهو خدمة الناس أياً كانوا من أهل البلاد أو من الأقطار العربية والإسلامية، أوقف نفسه وحياته وسخر علاقاته المترامية الأطراف لهذا الأمر الكبير لا ينتظر الشكر ولا المكافأة بل يكره الثناء والمدح.

هنا نستنطق بعض أصدقاءه ليذكروا بما في مكنونيهم عن الربيعي، حيث تحدث د. عبدالرحمن الهوواي عن صديقه عبدالعزيز الربيعي قائلاً: في كل يوم جمعة وبعد صلاة المغرب منذ عدة سنوات كان قدر الله يجمعنا في مجلس العلامة الكبير عبدالعزيز بن عبدالله الربيعي -رحمه الله- في منزله في حي الملز، وكنا لفيفاً من كتاب ومثقفين وصحفيين وأصحاب فكر وغيرهم من الناس، وكان الربيعي عماد هذا اللفيف، وكانت أنظار الكل تنتظر أن يثار أي موضوع له علاقة بالتاريخ أو بالأدب بأنواعه أو بالثقافة بصورة عامة، وكان -رحمه الله- يدلي بدلوه وبرأيه في أي موضوع طرح بعد أن ترك الفرصة عن من يود أن يقول رأيه في الموضوع من الحاضرين، لقد كان قمة في العلوم والمعارف، خاصةً في الأدب والتاريخ والدين ومعرفة الناس والقبائل من حاضرة وبادية، وله باع طويل في معرفة تاريخ الجزيرة العربية في الماضي والحاضر، كما أن لديه معرفة تامة بجميع مناطق المملكة قراها ومدنها وبعض أوديتها، وعنده إلمام ومعرفة ببعض الكتاب والشعراء سواء بالمملكة أو في العالم العربي.

ناقد أدبي

وأنا كاتب هذه السطور لي تجربة خاصة مع عبدالعزيز الربيعي -رحمه الله- فقد حصل بيني وبينه مواقف ومناقشات متنوعة في مواضيع أدبية استفدت منها في ما كتبته، وكان أغلب حواري معه يدور حول الشاعر المتنبي، وكان له رأيه الخاص به واستفدت منه، وغير ذلك من المواضيع الكتابية، وللربيعي كتاب منشور عن المتنبي عنوانه (نقاش حول أبي الطيب)، ويعد نقداً علمياً أدبياً لكتاب المتنبي وشوقي، وهذا فيه إشارة لحبه للمناقشة وابداء الرأي.

وفي لقائي مع الناشر عبدالعزيز التويجري -صاحب دار ومكتبة اللواء للنشر والتوزيع- يذكر أن عبدالعزيز الربيعي عرفه في مقر مكتبة اللواء، فكان يزور المكتبة يوم الخميس الذي يجتمع فيه نخبة من الأدباء أمثال عبدالعزيز الرفاعي ومحمد عبدالمنعم خفاجي ود. علي البواب، وامتدت علاقتي منذ ذلك التاريخ وهو عام 1395هـ، وكان لا يتملق أحد، ويتصف بالحزم، وكانت النكتة حاضرة على لسانه، لكنها غير جارحة ولا مؤذية.

يُذكر أن عبدالعزيز الربيعي كان مديراً لشركة الكهرباء بالرياض، وأحسن في إدارة الشركة وضبط إدارتها، وعندما كان في وزارة الزراعة أسّس قسماً وهو المحافظة على المياه، وأمّا علاقته العميقة وصداقته مع العلامة محمود شاكر فالجامع لهذه العلاقة الغيرة على اللغة العربية وعشق المتنبي، وفي الجملة الربيعي رجل مشهور بمروءته ويدافع عن الحق وشخصيته قوية.

سعة واطلاع

ويتذكر سعد بن علي أبو قيس - أستاذ تربوي- ذكرياته مع عبدالعزيز الربيعي -رحمه الله- وانطباعه وشعوره نحو شخصيته وأدبه وفكره قائلاً: الربيعي شخصية فذة، عرفته حينما ألحق أبناءه عبدالله ومحسّد وربيع في مدرسة جرير الابتدائية، وكنت آنذاك مديرها، وكان بها مجلس للآباء والمعلمين يضم نخبة من المثقفين والتربويين وجميع المعلمين فانضم عضواً به وكان لقاء شهرياً، أدهش الحضور جميعاً وأنا منهم، جميل في روعة ما يطرح من أفكار وآراء، إضافةً إلى جمال الأسلوب والنقاش فازددت به تعلقاً للاستفادة فهو مدرسة، مضيفاً: «كان لنا لقاء مع عموم الآباء في جلسة عمومية كل فصل دراسي مرة، فكان يدون ملاحظاته في وريقة صغيرة بخط جميل وعبارات أجمل، نقد هادف وإعجاب متزن ثم يسلم لي الوريقة في نهاية اللقاء».

ويكمل أبو قيس: لي معه موقف يدل على سعة اطلاعه ومتابعته لكل ما يصدر في الوطن العربي من محيطه إلى خليجه من مؤلفات أدبية وثقافية وتاريخية، ذهبت أنا وإياه لزيارة صديق لي وله يعاني من وعكة صحية بسيطة، وهذا الصديق مثقف ويملك مكتبة خاصة كبيرة وهو قارئ يحمل الدكتوراه فقال: «أنا توي جاي من مصر واشتريت كتاباً قيماً حديثاً واسمه كذا»، قال الربيعي: «لعلك غلطان في اسم الكتاب وتقصد كتاباً آخر، الكتاب الذي ذكرت قيم فعلاً ولكنه لم يصدر بعد لو صدر كان وصلتني منه نسخة»، هنا شعرت بالحرج ولست أياً من الطرفين فقال صديقنا لابنه: «اذهب وأحضر الكتاب تراه خارج المكتبة»، وكنت أنتظر الكتاب والحرج الذي يواجه الربيعي، فإذا بالربيعي هو من أصاب والكتاب غير الكتاب فأصبحت الدهشة والحرج لي.

جانب إنساني

ويتابع سعد بن علي أبو قيس حديثه عن عبدالعزيز الربيعي -رحمه الله- قائلاً: كما يعرف الجميع من معارفه أنه يمتلك مكتبة كبيرة جداً احتلت أكبر مساحة من سكنه، زرته مراراً وكان سرير نومه بها، كنت أقارنها بالمكتبات التجارية مثل مكتبة الرشد آنذاك، وحين رآني مدهشاً ومعجباً بحجم المكتبة أنزلني إلى قبو مسكنه ليريني مجموعة كبيرة جداً من الكراتين المعبأة بالكتب التي لم تتسع لها مكتبته، وقال لي وهو صادق: «هذه الكتب جميعها تمت قراءتها»، إنه شيء مدهش حقاً.

وأكد أبو قيس على أن الجانب الإنساني عند الربيعي أكبر مما يكتب في سيرته ويقال عنه، فقد كان همه حسبما عرفت خدمة المحتاج والشفاعة لكل من طلب، ولا أعتقد أنه كان يعمل هذا لينال به ثناء، فلا أذكر أنه حدثني عن تلك من هذا، ولعله ما كان يرغب أن يتحدث أحد عن الجانب، فلم يكن يحب ثناء ولا شهرة، لذا عاش بعيداً عن الأضواء.

انتهى كلام أبو قيس، وحقاً كلما سمعت عن مواقف الربيعي مع الناس وشهامته النادرة تذكرت قول العجبر السلولي ونُسب هذان البيتان لغيره وهما:

إذا جد عند الجد أرضاك جده

وذو باطل إن شئت ألهاك باطله

يسرك مظلوماً ويرضيك ظالماً

وكل الذي حملته فهو حامله

سمة التواضع

ويجسّد د. محمد الدويش مدى صلته وعلاقته بعبدالعزيز الربيعي -رحمه الله- قائلاً: أبو محمد عرفته مبكراً منذ ما يزيد على خمسين عاماً وهو يسكن في حي غميته في الرياض، وبرغم الفارق في العمر والمستوى الثقافي والفكري آنذاك فقد كان يتعامل أباً وصديقاً وأخاً كبيراً ومعلماً ومربياً، وإنني لا أتعجب يوم أن أصبحت أقيّم الأمور من منظور عقلي وواقعي من تعامل هذا القامة مع مثلي في تلك الفترة، لكن عجبي تحول إلى إعجاب حينما أدركت لاحقاً تقديره لأفراد من أسرتي وفراسته العجيبة النابعة من متابعته لما كان يجري من مناشط علمية وأدبية في المعهد العلمي في الرياض، حيث كنت أدرس فيه آنذاك، ولي مشاركات كانت تعجبه وهو يتابعها من خلال اطلاعه وتمحيصه لكل ما يكتب وينشر في الصفحة في ذلك الوقت، ثم علت هذه العلاقة وارتقت كثيراً بمرور الوقت إلى وفاته رحمه الله دون انقطاع.

ويتابع قائلاً: بحكم قربي المبكر منه برغم الفوارق المشار إليها فقد وجدت فيه سمة التواضع لدرجة جرأتني عليه في طلب شفاعته في أمور اقتضت الحاجة وضعها أمامه وكان -رحمه الله- أهلاً لذلك، وجدت فيه صفة الوفاء للناس، وتقديره لمن يقصده واحترامه له وإن لم يكن يعرفه، رأيت فيه حب خدمة الآخرين والسعي في قضاء حاجاتهم وبذل جاهه لهم دون ضجر أو كلل، وعن سعة الاطلاع وتتبع مصادر المعرفة وقنواتها في الداخل والخارج والعلاقة بروادها والتواصل معهم وعقد اللقاءات بهم فذاك شأن آخر يعلمه من عايشه، وكنت ممن أدرك شيئاً منه وإن كان متأخراً، مضيفاً: «رأيت وعايشت محاوراً، ومناقشاً، ومحللاً، ومستنتجاً، مع أدب في الحوار، واحترام للآخر، وإن لم يكن مقتنعاً برأيه، رأيت عن قرب وفاءه لمن بعدت بهم الشقة وحالت دون اللقاء بهم بعد المقرات وتقدم الأعمار، وصعوبة اللقاء، كان رحمه الله يذكر لي في زيارات منفردة بعض المواقف بقصد إرسال رسائل غير مباشرة للتنبيه إلى صفات الكمال النسبي في التعامل مع الناس، خاصةً عندما يكون الإنسان في موقع المسؤولية أو يرتبط به شيء من حاجات الناس لكنه كان يؤكد على عدم إفشائها أو الحديث بها -رحمه الله-، أكثر ما يحرجني منه أنني أغفل أحياناً أو انشغل فانقطع عنه أو أسافر ويفقدني، فأفاجأ به متصلاً دون لوم مباشر أو غير مباشر، لكنني أعتبره عتاباً في غاية الأدب والذوق الرفيع ويبقى الود ما بقى العتاب».

مثقفاً جديراً

وفي لقائي بمحمد الطيار -الصحفي الشهير- تحدث عن صديقه عبدالعزيز الربيعي -رحمه الله- قائلاً: الربيعي شخصية تكاد تكون متفردة، له خصائص عديدة، فمثلاً عنده جرأة لا تتوفر عند غيره في الغالب، يقتحم ويجلب الأشياء ولا ينتظر أن تجلب له، بدأ من الصفر بكل تواضع، لكن لرغبة ملحة وجارفة أن يكون مثقفاً جديراً بالثقافة كان يلتقي بصديقه محمد العبدالله الصغير -رحمه الله- وهو -أي الصغير- من أبرز المثقفين، فعندما شارك الربيعي عبدالله من محمد بن خميس في إصدار مجلة الجزيرة الشهرية كان ابن خميس رئيس التحرير والمدير العام، وكان الربيعي مدير تحرير ومحمد عبدالله الصغير سكرتير التحرير، وثقافة الصغير وجيهة إلى حد أن الربيعي لم يتوانَ أن يقرأ عليه حتى يستفيد من معارفه ومعرفته باللغة العربية ويصحح له الأخطاء، حتى أنه سافر معه إلى بيروت حيث تولى الربيعي علاج والده عبدالله الربيعي في مستشفى خوري بمنطقة الحمراء ثم في مستشفى الجامعة الأمريكية وعاد به إلى الرياض ومعه محمد الصغير، وكنت معهما في وداع والد الربيعي الذي توفي -رحمه الله- حين وصوله إلى الرياض، مضيفاً الطيار: تواضع الربيعي ورغبته في المعرفة لم تحد من استفادته من صديقه الصغير، حيث سافر الربيعي إلى لبنان وكنت معه في سيارتي وذهبنا إلى قرية اسمها «البربارة» حيث يسكن الشاعر القروي وذهبنا جميعنا إليه وكان لقائهما حميمياً ودال على تولع الربيعي بالمعرفة وبحثه عن مصادرها أياً كانت، واستفاد من الشاعر القروي كثيراً وأقمنا ليلتنا على ساحل البحر في بيروت، وكنت أشاركه في كل المواقف والخطوات التي يخطوها هناك، وكان يزورني في سكني في الطابق السادس بعمارة «بلو بلدينق» بشارع الحمراء كل ليله يحضر عندي ووجود سيارة معي أتاح لنا وثالثنا فهد المارك صاحب كتاب مشهور اسمه (من شيم العرب) اشتهر به كثيراً.

أبحاث علمية

ويكمل الطيار: عبدالعزيز الربيعي -رحمه الله- لم يتوانَ عن طرق كل باب من أجل الوصول إلى الثقافة والأبحاث العلمية وربطته بحمد الجاسر أستاذ الجيل وعلامه الجزيرة العربية ومؤسس ورئيس تحرير صحيفة اليمامة الأسبوعية التي تعلقنا بها جميعاً وأصبحت مدرستنا الأولى وكنت والربيعي وبعض الأصدقاء نزور الشيخ الجاسر في داره التي اسمها دارة العرب، وكان الجاسر بالتأكيد غنياً بالثقافة والأسبقيات الصحفية، وظل الربيعي يكتب مقالاً شهرياً في مجلة العرب «الجاسرية» بعد أن ترك الجاسر صحيفة اليمامة في ذلك الزمن وتربط الربيعي بالجاسر علاقة ليس لها مدى، مضيفاً الطيار: «الربيعي يتصف بالجرأة الشديدة والشجاعة النادرة، فهو لا يتوانى عن سلوك كل الطرق من أجل أن يخدم المساجين وأصحاب الحاجات البسيطة، وكان يتوسط لدى أولياء الأمور في إنقاذ ما يمكن إنقاذه من السجون، لدرجة أن هناك من حكم عليه بالقصاص وقبل يوم واحد من تنفيذ الحكم أخرجه من السجن بعدما سعى عند أولياء المقتول بالعفو عن القاتل».

هذا ما قاله وتحدث به بعض أصدقاء الأديب عبدالعزيز بن عبدالله الربيعي -رحمه الله- الذين خبروا شخصيته وسجاياه عن مجالسة كان أمدها طويلاً وعمرها مديداً، وأعمق الناس بالمرء جلساؤه وليس هؤلاء كل جلساء الربيعي -رحمه الله- ولكن هؤلاء بعض أصدقائه الكُثر الذين أغلبهم رحل عن هذه الدينا.

توفي عبدالعزيز الربيعي يوم الجمعة 1 / 11/ 1442هـ، وكان ميلاده عام 1347هـ بمدينة الغاط، فغفر الله له ورحمه وجعل ما قدم من خدمة للناس في ميزان أعماله الصالحة.

كل الشكر لمحمد بن عبدالعزيز الربيعي الذي كان سخياً معي في تلبية كل ما أطلبه عن والده من معلومات وما أريده من أوراق وصور، حيث أوصلني بأرقام هواتف بعض أصدقائه الذين بادروا حينما اتصلت بهم وذلك من وفائهم.

الربيعي على يسار الصورة في إحدى المناسبات
عبدالعزيز بن عبدالله الربيعي -رحمه الله-
الربيعي سعى في خدمة المحتاج والشفاعة لكل من طلب
نموذج من خط يد الربيعي وفيه يكتب عن نفسه وطباعه