‏فقد ‏الوطن والقطاع الصناعي تحديداً إحدى القامات والقيادات الصناعية التي لعبت دوراً أساسياً في بناء القاعدة الصناعية للبتروكيميائيات. لقد كانت سابك يوماً حلماً، وكانت الصحافة الغربية آنذاك تنظر بنوع من السخرية لقيام صناعات في أرض صحراوية وترى أن مصيرها الفشل. ولكن كانت رؤية القيادة الحكيمة لبناء هذا الكيان والاستفادة من الغاز المصاحب المهدر فيما قبل.

وكان فارسنا ‏وفقيدنا الأستاذ إبراهيم بن سلمة ضمن فريق بقيادة الدكتور غازي القصيبي وزملائه معالي المهندس عبد العزيز الزامل ‏والدكتور عبد العزيز ‏الجربوع ‏ونخبة من الشباب السعوديين في تلك المرحلة لعبوا دوراً مهماً في تأسيس هذا الكيان الصناعي الكبير بدعم وتوجيه من القيادة الرشيدة. تولى الأستاذ إبراهيم بن سلمة قيادة شركة سابك في مرحلة حساسة ومهمة لبناء هذا الكيان الصناعي الكبير الذي يعتبر اليوم إحدى الشركات الرائدة على مستوى العالم.

‏تميز ‏إبراهيم بن سلمة بصفات قيادية عديدة جعلت منه الرجل المناسب في ظروف صعبة من بداية الثمانينات إلى ما بعد منتصف التسعينات والتي كانت هي المرحلة الحرجة في بناء ونمو شركة سابك. قد لا يتمكن ‏الأشخاص الذين عملوا بالقرب من إبراهيم بن سلمة أو العمل تحت قيادته إعطاء الرجل حقه.

‏إبراهيم بن سلمة.. تطوير ‏القدرات البشرية

‏لقد كان الأستاذ إبراهيم مهتماً بتطوير الشباب الذين يعملون تحت قيادته في شركة سابك، لقد كان حريصاً على إشراك الشباب الجدد الملتحقين بالشركة، وذلك بإعطائهم المسؤوليات والفرص ومنها حضورهم اجتماعات الأعمال مع الشركات الأجنبية والجلوس على نفس الطاولة، وكان هدفه اطلاعهم وتطوير قدراتهم والاستفادة من تلك التجربة. 

‏هذا هو النموذج الذي نراه اليوم تطبقه الشركات اليابانية والصينية عندما تحضر إلى المملكة لعقد اجتماعات بحيث يكون هناك عدد من ‏الأشخاص دورهم فقط حضور الاجتماع والاستماع وهي طريقة لتطوير وإعداد الأشخاص قيادياً وإثراء تجربتهم العملية.

‏إبراهيم بن سلمة والثقة ‏بالشباب السعودي

كانت لدى الأستاذ إبراهيم الثقة بقدرات الشباب السعوديين، ويرى إعطاء الفرصة لتطوير القدرات الوطنية والاعتماد عليها، وكان باستمرار يكرر في زياراته الدورية للمصانع وافتتاح المصانع الجديدة أن نجاح أي مشروع صناعي هو اعتماده على وجود الإدارة والتشغيل والصيانة بأيدٍ وطنية مؤهلة. ‏لقد أعطت هذه ‏السياسة ثمارها أثناء حرب الخليج الأولى عندما ترك الأجانب من مشغلي ومهندسي المصانع في الجبيل والتي ولله الحمد استطاعت أن تستمر في الإنتاج بطاقاتها القصوى اعتماداً على شباب أكفاء سعوديين استطاعوا تحمل المسؤولية. اليوم نجد أن الكثير من القياديين في القطاع الخاص والصناعات الوطنية من رجالات تخرجوا من مدرسة سابك.

‏إبراهيم بن سلمة.. ‏الاستراتيجي

إن النجاح لأي منظومة أو شركة يكمن في وجود القائد الذي يملك النظرة الاستراتيجية بعيدة المدى. خلال السنوات الثلاثين الماضية، قامت العديد من الشركات بإعداد الاستراتيجيات معتمدة على المكاتب الاستشارية الأجنبية والتي تنتهي بعيداً عن التطبيق العملي وتركن في الأدراج.

‏ وفي سابك وفي ظروف مرحلة الثمانينات والتسعينات اتخذ إبراهيم بن سلمة وفريقه التنفيذي العديد من القرارات الاستراتيجية، وكانت تتسم بالحزم وعدم التردد. وكان مجلس الإدارة داعماً لهذه القرارات الاستراتيجية، ومن أهمها بناء مصانع تكسير الإيثان والبروبان والنافثا، والتي توفر اللقيم لبناء الكثير من المصانع الأخرى، والتي على إثرها أعطت سابك نقلة نوعية في إنتاج كميات من اللقيم للتصدير وللصناعات التحويلية. ومن عرف تلك المرحلة الزمنية يعرف أهمية اتخاذ تلك القرارات الاستراتيجية في حينها.

‏إبراهيم بن سلمة.. ‏الإيمان بالتقنية والأبحاث

‏اعتمدت المصانع الوطنية في السبعينات والثمانينات على استيراد التقنيات والاعتماد على التراخيص لدرجة أن الكثير من العاملين في المصانع وأصحابها تولدت لديهم قناعة مفرطة بهذا التوجه الاستراتيجي وعدم القناعة ببناء قدرات ‏تقنية وبحثية ‏داخل الشركة.

‏لقد وضع الأستاذ إبراهيم بن سلمة البذرة الأولى وحرص على رعايتها وتطويرها بتقديم الدعم السخي من مجلس الإدارة والتي تكللت بإنشاء أول مركز بحث وتطوير ‏صناعي داخل المملكة العربية السعودية ‏‏لشركة سابك ‏في الصناعية الثانية في مدينة الرياض. ‏واستمر تطوير القدرات التقنية والبحثية لشركة سابك في السنوات التالية مما مكن القيادات التالية للشركة؛ المهندس محمد الماضي والأستاذ يوسف البنيان، من مواصلة النجاح في إنجاز الكثير من التقنيات ‏وبراءات الاختراع. ‏وكما نرى اليوم فإن شركة سابك تحتل موقعاً متقدماً على المستوى العالمي في هذا المجال.

‏إبراهيم بن سلمة.. ‏الإنسان

‏لقد كان الأستاذ إبراهيم بن سلمة حريصاً على مساندة العاملين بالشركة والموظفين، والاهتمام بشؤونهم عند تعرضهم لأي ظروف شخصية، فيقدم لهم المساندة التي تمكنهم من تجاوز تلك الظروف. وهناك الكثير من القصص الإنسانية التي يعرفها من عاش في تلك الحقبة الزمنية.

‏إبراهيم بن سلمة.. ‏التواضع

‏ تميز بشخصية متواضعة وقريبة من القلوب، واتسم بلطف المعشر والكلمة الطيبة والابتسامة التي يقابل بها من عرفه ‏مع استخدام المواقف الطريفة لكسر الحاجز النفسي بينه وبين العاملين معه، وخصوصاً الشباب العاملين في المصانع ما أكسبه التقدير والاحترام ممن تعامل معه. ‏وهناك الكثير من المواقف الجميلة التي يحتفظ بها زملاؤه في ذاكرتهم.

‏كان أحد التحديات التي تقف في طريق بناء القدرات التقنية والبحثية هو عدم الإيمان لدى العديد من القيادات والعاملين بإمكانية الاعتماد على الذات والقدرة على تطوير التقنيات، حيث إن التراخيص والشراكات مع شركات أجنبية كانت تحقق الهدف المنشود، فالموجة الأولى من المصانع اعتمدت كلياً على ترخيص تلك التقنيات أو الشراكة مع شركات أجنبية ما أدى إلى تولد إيمان وقناعة بأننا لا نستطيع أن نطور تلك القدرات التقنية داخلياً.

‏ وهنا كانت الخطوة التالية لتغيير تلك المفاهيم وترسيخ قناعات جديدة والعمل سوياً لتطوير قدراتنا التقنية الداخلية وذلك بدعمه ومساندته بوضع برامج تحفيزية وتكوين فرق مشتركة بين مراكز الأبحاث والتقنية التابعة لسابك مع العاملين والمشغلين والمهندسين في المصانع والشركات والمشاريع لتحسين أداء أو حل مشاكل فنية. 

‏وتوجت تلك الجهود باستحداث اجتماع دوري تقني كبير يشارك فيه الجميع، وهو أشبه بمؤتمر علمي تقني خاص بالشركة، ‏حيث تقدم الأوراق البحثية والتقنية والإنجازات التطويرية وتوزع جوائز قيمة للفرق التي تحقق إنجازات تقنية أو فنية على مستوى الشركة تعود بعائد وربحية أو تحسن عملية التشغيل في تلك المصانع.

‏لقد حقق هذا الأسلوب نقلة نوعية مميزة في تطوير قدرات سابك التقنية داخلياً، وإيجاد قناعة وإيمان لدى الجميع بقدراتنا الوطنية التقنية.

‏إبراهيم بن سلمة.. ‏الإدارة

‏ كان الأسلوب الذي يتبعه الأستاذ إبراهيم هو الاعتماد على القيادات في شركة سابك وإعطاء المرونة والصلاحيات للتشاور معه في ‏الموضوعات الحساسة والمهمة. ‏حيث اعتمد على زملائه وأعطاهم الفرصة لتمثيل الشركة والعمل مع الجهات المختلفة الحكومية والتجارية ما يمكنه من تخصيص وقت أكبر للتركيز على الموضوعات الاستراتيجية والتخطيط المستقبلي ما جعله يحقق إنجاز الكثير بالرغم من ظروف ‏تلك المرحلة. 

‏إبراهيم بن سلمة.. أخيراً وليس آخراً

‏يمكن القول: إن الأستاذ إبراهيم بن سلمة ‏لعب دوراً قيادياً في مرحلة التأسيس وبناء الجيل الأول والجيل الثاني من مصانع شركة سابك داخل المملكة العربية السعودية وبناء قدرات تقنية مع الاهتمام الكبير بالعنصر البشري وتطوير القدرات الوطنية ضمن استراتيجية ‏تعتمد على الواقع والعمل التطبيقي والبعد عن التنظير.

‏وهذا ‏جهد مقل ولا يفي بحق الأستاذ إبراهيم بن سلمة، وهناك الكثير من سيرة هذا الرجل وتاريخه والدور الذي لعبه في تطوير القاعدة الصناعية البتروكيميائية في المملكة يستحق أن يكتب ويوثق عنه.

‏ وإنني أقترح تكريمه بتسمية أحد الميادين أو الطرق باسمه في مدينة الرياض، كما أقترح على شركة سابك تخصيص جائزة ‏باسم إبراهيم بن سلمة تكون في مجال القيادة الاستراتيجية والمجال التقني.

رحمك الله أبا خليل وأسكنك فسيح جناته.

  • نائب رئيس أعلى شركة سابك - سابقاً

رئيس اللجنة الوطنية الصناعية - سابقاً