فترة بعد أخرى، تؤكد المملكة قولاً وفعلاً أنها دولة كبرى في المنطقة والعالم، عبر التمسك بحزمة من المبادئ والقيم والثوابت التي لا تحيد عنها، هدفها الأول تعزيز استقرار شعوب العالم، وتوفير احتياجاتها الضرورية، ولو تطلب الأمر تضحيات ضخمة ونكران الذات بعيداً عن أي مصالح شخصية.

وأظهرت المملكة هذه القيم والمبادئ بجلاء منذ عقود مضت، عندما تعهدت أمام العالم بتوفير النفط للشعوب كافة، بالكميات المطلوبة والأسعار المعقولة، رافضةً أي مكاسب مالية تأتي على حساب استقرار العالم، وأعلنت المملكة أن استقرار الدول هو جزء لا يتجزأ من استقرارها.

مثل هذه المواقف التي لا تخلو من جانب إنساني، تتكرر هذه الفترة مع جائحة كورونا، بتأكيد المملكة الدائم على دعم أي جهود دولية تسهل الوصول إلى لقاحات الفيروس، مع المحافظة التامة على حقوق الملكية الفكرية والمعاهدات الدولية ذات العلاقة، هذا الدعم يضاف إلى مساعي المملكة لمكافحة الوباء في الداخل والخارج، ودعم جهود المنظمات الدولية لاحتواء الآثار الناجمة عنه.

هذا الموقف أعلنته صراحة الهيئة السعودية للملكية الفكرية، التي أكدت مرة أخرى على التزام المملكة بالمعاهدات والاتفاقات الدولية المتعلقة بالملكية الفكرية، وفي مقدمتها اتفاقية الجوانب التجارية لحقوق الملكية الفكرية "تربس"، إضافة إلى نشر القواعد التنفيذية للترخيص الإجباري لبراءات الاختراع، ويعكس هذا الموقف حرص الرياض على مصالح الشعوب واستقرارها، بجانب حرصها على حقوق الملكية الفكرية للشركات المصنعة للقاحات في توازن يراعي مصالح الطرفين معاً، ويؤكد هذا الحرص دعوة المملكة الدول المصنعة على المضي قدماً نحو المفاوضات القائمة بشأن التنازل عن حقوق الملكية الفكرية للقاحات، وكذا حث الدول التي فيها مقر الشركة المصنعة للقاحات على تسهيل نقل التقنية للدول الراغبة في تصنيع اللقاح لديها.

وتذكِّرنا هذه المواقف بموقف المملكة الإنساني، أثناء رئاستها قمة العشرين في العام الماضي، عندما استبقت تصنيع لقاحات كورونا، ودعمت حق الشعوب الفقيرة في الحصول عليها بأسعار معقولة، أسوة بالشعوب الغنية، وزادت المملكة على ذلك، بأن دعت الدول الكبرى إلى القيام بمسؤولياتها الإنسانية والاجتماعية بتوفير المساعدات الطبية واللوجستية للدول غير القادرة على مواجهة الوباء، ليس هذا فحسب، وإنما خصصت 500 مليون دولار لتلبية الاحتياج العالمي لتطوير وتوزيع اللقاحات والعلاجات والأدوات التشخيصية المتعلقة بكورونا، ومبلغ 150 مليون دولار لتحالف ابتكارات التأهب الوبائي، ومثله للتحالف العالمي للتطعيم والتحصين.