في عام 1943م ولما كانت الحرب العالمية الثانية في أوجها، حصل شيء غريب.

"تشارلي براون" طيار حربي أميركي، وكان ينطلق من القواعد الأميركية في بريطانيا، وأتته أوامر لقصف مصنع طائرات في مدينة بريمن الألمانية، فانطلق مع فريقه بـ"القلعة الطائرة" –اسم ذلك النوع من الطائرات الكبيرة–، ولما وصلوا إلى الهدف أمطر عليهم الألمان النار من مدافع مضادة للطائرات وهَبّت ثماني طائرات لتُسقِط الطائرة الأميركية وتحاول منعها من تفجير المصنع، إلا أن تشارلي براون نجح في إلقاء القنابل، لكن تضررت طائرته، وكان من بين الطيارين الألمان "فرانز ستيغلر"، وهو طيار محترف قد قتل ما لا يقل عن 28 من أفراد العدو في هجماته الجوية.

النيران التي أصابت طائرة براون بالغة، وأصيب بعض أفراد الطاقم الأميركي بجروح، وثلاثة من محركات الطائرة الأربعة إما دُمِّرَت أو أصيبت، وفي هذه المعمعة فقد براون وعيه قليلاً ثم صحا وطائرته تحلق منخفضة فوق مطار ألماني بعد أن فجر اثنتين من الطائرات التي تصدت لهم، وأما بقية الطائرات فكان منها طائرة فرانز، الذي هبط ليعيد تسليح الطائرة وتعبئتها بالوقود، ثم انطلق من جديد يلاحق طائرة براون المتضررة والتي حاولت يائسة أن تفر، ولما وصل فرانز للطائرة الأميركية رأى أنها متضررة كثيراً، بل إنه اقترب حتى استطاع أن يرى من خلال الفجوات التي صنعتها نيران الألمان بعض أفراد الطاقم وهم يعالجون الجرحى، ولما التفتوا ورأوا طائرة فرانز أيقنوا بالهلاك، وبينما هم ينتظرونه يرسل عليهم نيران الموت استغربوا لما رأوه لا يطلق عليهم، فأثناءها كان فرانز يستحضر كلمات قائده والذي أمره ورفاقه أن لا يقتلوا الذين قفزوا من طائراتهم بالباراشوت، ورأى أن هؤلاء في وضع مشابه، ولهذا رفض إسقاطهم، وبدلاً من هذا حاول فرانز أن يجعل براون يهبط ويستسلم، لكن براون أبى ذلك لأن طاقمه أصابتهم جروح بالغة واحتاجوا إلى علاج فوري، فرافقهم فرانز حتى خرجوا من ألمانيا، وعاد فرانز لقاعدته ولم يخبر أحداً بما حصل.

هبط براون سالماً في بريطانيا وعالجوا رفاقه، وذهب لقادته ليسلمهم التقرير الذي فيه بيان ما حصل لهم، ولما أنبأهم بالطيار الألماني الشهم الذي أنقذ حياته وحياة رفاقه -رغم أنهم قصفوا دولته- تجاهل القادة هذه القصة وقالوا له: "إنسَ ما حصل"، وقال براون: إن القادة الأميركان كانوا يرون الألمان كلهم وحوشاً لا رحمة فيهم. انتهت الحرب بهزيمة ألمانيا وانتصار الحلفاء، وانتقل فرانز من دولته مهاجراً إلى كندا، أما براون فتقاعد وشَرَعَ في البحث عن الرجل الذي أنقذه وفريقه من الهلاك، وبعد سنين من البحث نَشَر رسالة في نشرة دورية صغيرة خاصة بالجنود الألمان لعل فرانز يراها، وفعلاً كان فرانز من قارئي هذه المجلة، وبعد فترة من التراسل التقى الاثنان لقاءً حاراً بعد 46 سنة من تلك الحادثة، وصارا يتزاوران، وظهرا على عدة برامج تلفازية أبْرَزَت قصتهما المدهشة وتحاورت معهما.

ومرة أخرى كان لهما مصادفة غريبة مع القدر، فتوفي كلاهما في السنة نفسها، عام 2008م، بعد أن أعطيا التاريخ قصةً لا تُنسى.