من المناظر التي لا تفارقني في مسيرة حياتي؛ منظر رجل طيب يؤتي به في حفلات الزواج، في الزمن الطيب، الذي سادت فيه البساطة وانعدام التعليم النظامي، كانت مهمة ذلك الرجل من بداية الحفل حتى نهايته، إرشاد زوج المستقبل على أيسر الطرق التي تؤمن له حياة زوجية سعيدة، خالية من المشكلات والمطبات، التي تعتري أي حياة زوجية في بدايتها، ومثلما هو موجود عند الرجال موجود عند النساء، سيدة مجربة تجلس مع العروس حتى تدخل دارها.

لكن في كثير من الحالات يظل الجهل غالبا، وقد قيل إن واحدة من العرائس لم تستوعب الدرس، خصوصا درس المباشرة الزوجية، حيث قامت عندما أغلق عليهما الباب بحمل الزوج ورميه في صندوق "السيسم" المخصص للملابس، عند اقترابه منها لأخذ حقه الشرعي! ولم ينقذ الزوج المتعوس من الاختناق جراء فعل الزوجة الشديدة البأس، إلا دخول المرأة المرشدة صباحا، للاطمئنان على استيعاب درسها!

الآن اختفى دور هذه الفئة من المرشدين، فقد أصبحت التجارب الطبيعية والأفلام والمسلسلات والكتب تؤدي هذا الدور في كل وقت، دون طلب، ومجانا، لكن بقيت فئات ما زالت تقوم بأدوار مماثلة، ولا أحد يدري أو يلمس حجم تأثيرها، من ذلك كتب لطيفة، تبسط لك أيسر وأفضل الطرق لتكون سعيدا، خاليا من العقد والوساوس النفسية والمرضية! وإذا كنت ضيق الخلق أمام الكتب، فسوف تجد هذه الفئة من المرشدين في الإذاعة والتلفزيون والجوال، وحتى في المجالس العامة، أناس لديهم لسان وأيدي يحركونها وهم يتحدثون في كافة الاتجاهات دون كلل، لتعليمك أصول السعادة! وبعض هؤلاء أصبحوا نجوما أغنياء، يتواجدون على الدوام في مجالس علية القوم من الرجال والنساء، وقد استمعت وقرأت وجلست مع بعض من هؤلاء، فوجدت أغلبهم بالونات في غاية الانتفاخ، الحبوب المهدئة أو الطبيب النفسي أقل وطأة على النفس منهم!

وإذا خلصنا من هؤلاء فإننا سندخل في دائرة فئة من الناس، امتهنوا الاستشارات الإعلامية، سادوا سريعا ثم بادوا، وكان الواحد من هؤلاء يوزع كروته في الشركات ومجالس الأغنياء، ليدلهم على أفضل الطرق للتخلص من خصوم السوق، ولرفع المبيعات، وتلميع صاحب أو مدير الشركة، ولم ألمس أن واحدا من هؤلاء، يقوم بإنجاح شركة مائلة أو نائمة! ومثل هؤلاء فئة شغلهم الشاغل تقديم دروس أو إرشادات، تمكن كل من يتوسم في نفسه القدرة على كتابة قصة أو مسرحية أو رواية أو قصيدة، من الكتابة الصحيحة التي تجعل نصوصهم قوية حارة، خالية من خلل اللغة والأسلوب والقولبة الفنية، التي تميز نصوص كبار المبدعين من العرب والعجم!

ولو دققت في أسماء هؤلاء المرشدين الظرفاء، لوجدت أغلبهم مبدعين فاشلين، ما أصدروه من أعمال (إبداعية) عبارة عن نصوص قاسية ثقيلة الطينة، لا يمكن تجرعها بسهولة ويسر، مع التزامها بكافة الأسس العلمية، باختصار ينقصها شيء أساسي، وهو الروح أو تلك النار الموقدة، التي تميز النص الجيد الحي، من النص الميت، كافة من يستهدفهم هؤلاء المرشدين لا يحتاجونهم، "ما حك جلدك مثل ظفرك.. فتولى أنت جميع أمرك"، إذا أردت أن تكون زوجا ناجحا؛ سعيدا في حياتك، مبدعا في كتاباتك، موفقا في تجارتك!