وأنا أقرأ عن خروج أميركا من أفغانستان، بمعنى أدق هروب خلّف وراءه العتاد الثقيل والأسلحة المتقدمة.. هروب.. لم يعرف مثله من قبل، عصف بسمعة الدولة التي تُصنف بأنها الأقوى عسكريا وتقنية حربية.. بدا لي أن الأمر قد تم بسبب أن التقنية النووية الأفغانية من فعل ذلك، لكن هو هروب خلّف وراءه سمعة لن ينساها التاريخ لا سيما وأنه حدث من جيش بدائي ينتمي لواحدة من أفقر دول العالم وجنودها ليس لهم غطاء جوي أو دبابات.. فقط مشاة متحمسون؟!.

شتات الجنود في أفغانستان هذا وقبل نحو ثلاثة عقود كان محل احتفال أميركا بإسقاطه للاتحاد السوفيتي ودحر جنوده حتى وإن كان بتمويل أميركي خالص.. ها هو يقلب السحر على الساحر ويلحق به أشد سمعة سيئة في تاريخه يقضي على الهيبة العسكرية الأميركية.. يجبرها على الفرار.. ليست تاركة فقط عتادها وطائراتها.. بل من ينتمون لها من الأميركيين والأفغان الموالين لهم.. ليكونوا محل التسامح وطلب الرضا من طالبان لأجل إجلائهم.

لن ندخل في التفاصيل فيما يخص تبعات ذلك.. لكن لنا أن نعاود قراء المشهد المُذل من خلال الأميركيين أنفسهم الذين كانوا شبه متفقين على أن القيادة السياسية من عدم الحنكة أن أضرت بسمعة أميركا العظيمة، بل إنها تجاوزت ذلك بزيادة التوتر والعدائية مع الآخرين وخاصة الأصدقاء المهمين لها حينما لم تحسن دبلوماسيتها التخاطب والتعامل معهم.. فكانت الخسارة أكبر وبحجم الانسحاب المذل.

الآن ومع ما ورد من تبريرات وحجج لا تسمن ولا تغني من جوع، بدا أن القيادة الأميركية تعيش في وضع مختلف، وكأنها تريد أن تجر هذا البلد العظيم إلى الانكسار والتقوقع.. فمن يتفنن بالضغط على الأصدقاء ومحاولة إحراجهم أو التعريض بهم وموافقة الدول التي تنتمي إلى محور الشر فالأكيد أن قيادته تعيش في واد والعالم في واد آخر؟!.

أميركا بعد تسعة أشهر من حكم الديموقراطيين تعاني مرضا خطيرا، بسبب أنها قد تخلت عن حكمتها في إدارة علاقاتها، وباتت كالمريض الذي لا يعرف طبيبه كيف يشفيه، نتكي على مؤشرات تنطلق من الخطاب السياسي ومن الهروب المُذل والعلاقات المتوترة حتى مع أقرب الأصدقاء.. التي تؤكد أن الولايات المتحدة تعاني تخبطا بينا.

نختم بالإشارة ألى أن ما ذكرناه أعلاه هو رأي الأميركان أيضا وأسوق هنا رأيا من صحيفة الفايننشال تايمز للكاتب ديفيد غاردنر، محرر الشؤون الدولية، بعنوان "قادة الشرق الأوسط تعلموا عدم الاعتماد على الولايات المتحدة".. يقول إن "كارثة الولايات المتحدة والغرب في أفغانستان تدق ناقوس الخطر من شرق أوكرانيا إلى مضيق تايوان.. لكن في الشرق الأوسط، ساحة الغزوات الأنغلو - أميركية المتسلسلة، كان رد فعل القادة على استسلام الولايات المتحدة متحفظا.. لقد بدا بالفعل للحلفاء والخصوم على حد سواء، أنهم لا يستطيعون الاعتماد على الولايات المتحدة".