رغم توصل المبعوث الأمريكي الخاص لليمن، إلى استنتاج يؤكد عدم وجود رغبة حوثية للتوجه نحو السلام ووقف التصعيد العسكري، يواصل تيم ليندركينغ، تحركاته الدبلوماسية لبحث العواقب المتزايدة للتصعيد الحوثي المدعوم إيرانياً.

وبدأ الأربعاء، جولة جديدة هي الثامنة للمنطقة منذ تعيينه مبعوثاً خاصاً للإدارة الأمريكية إلى اليمن في فبراير، والتقى خلال جولته بمسؤولين في الحكومة الشرعية، كما سيلتقي مع المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن "هانز غروندبرج" والمنسّق المقيم للأمم المتحدة ومنسق الشؤون الإنسانية لليمن ديفيد غريسلي، وسفراء الدول الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة إلى اليمن.

وخلال لقائه الأربعاء برئيس الحكومة اليمنية، معين عبدالملك أكد ليندركينغ "أن وقف التصعيد العسكري من قبل ميليشيات الحوثي هو أولى الخطوات الأساسية نحو الحل السياسي في اليمن". مشيراً إلى "أن الحوثيين وصلوا في هجومهم على مأرب إلى طريق مسدود".

ومرت تسعة أشهر على وصول الإدارة الأمريكية بقيادة الرئيس جو بايدن، الذي وضع إنهاء الحرب الانقلابية في اليمن أولوية قصوى وموقعاً متقدماً في أولويات السياسية الخارجية للولايات المتحدة وجزءا من الأهداف الاستراتيجية للإدارة الأمريكية الجديدة حسب المتحدثة باسم البيت الأبيض جين ساكي.

وفور دخوله البيت الأبيض أواخر يناير، باشر الرئيس بايدن مهامه الرئاسية بتعيين الدبلوماسي الأمريكي تيم ليندركينغ مبعوثًا خاصاً للولايات المتحدة، وتسرّع في إلغاء قرار تصنيف الحوثيين منظمة إرهابية أجنبية، على يقين منه أن قرار الرفع سيجعل للإدارة الأمريكية الجديدة مكانة وتأثير لدى الحوثيين، وسيؤدي إلى التهدئة ووقف الحرب، ويساعد على وصول المساعدات الإنسانية إلى ملايين المحتاجين في المناطق اليمنية الواقعة تحت احتلال الميليشيا الحوثية التابعة للنظام الإيراني.

لكن ما الذي حدث؟

بعد تسعة أشهر من وصول بايدن إلى البيت الأبيض، فشلت سياسة المرونة الباذخة التي انتهجتها إدارته تجاه مليشيات الحوثي الإرهابية في اليمن، وحدث في الواقع عكس توقعات الإدارة الأمريكية، حيث جاءت إجراءاتها بنتائج عكسية وخطيرة على الصعيد السياسي والعسكري والإنساني، لاسيما تداعيات وتبعات قرارها المُتسرع بإلغاء قرار الإدارة الأمريكية السابقة برفع الميليشيا الحوثية من قائمة المنظمات الإرهابية الدولية.

لم ينجح قرار الرفع الأمريكي بإقناع الحوثيين بالتهدئة ووقف الحرب والانخراط في مشاورات سياسية كما كانت تأمل الإدارة الأمريكية من وراء قرارها، ولم يخفف من الكارثة الإنسانية الناجمة عن الحرب الانقلابية ونهب المعونات الإنسانية، بل استمرت الميليشيا في تحويل مسار المساعدات المخصصة للمتضررين والمحتاجين لصالح المجهود الحربي وتمويل أنشطتها العسكرية والإرهابية.

وعقب قرار رفعها من قائمة الإرهاب الدولية، دشنت الميليشيا تصعيداً خطيراً، ونفذت هجمات بالستية ومسيّرة على المدنيين والأعيان المدنية في المملكة العربية السعودية، وبدأت بشن عدوان عسكري على محافظتي مأرب والجوف شرقي اليمن، واستهدفت مدينة مأرب التي يقطن فيها حوالي 2 مليون نسمة بعشرات الصواريخ الباليستية والهجمات المسيّرة، وقصفت مخيمات النازحين وأسفر هجومها المستمر على مأرب منذ مطلع فبراير الماضي، عن مقتل وإصابة أكثر من 1500 شخص بينهم نساء وأطفال، ونزوح أكثر من نصف مليون يمني من منازلهم ومخيماتهم في الجوف ومأرب.

ورفضت ميليشيات الحوثي الإرهابية كل دعوات التهدئة ووقف العدوان على محافظة مأرب المكتظة بنحو 2 مليون مدني، وتجاهلت جميع مبادرات المبعوث الأمريكي تيموثي ليندركينغ، الذي دعاها لوقف الهجوم بشكل فوري على مأرب والامتناع عن التصعيد وتنفيذ مبادرة السلام التي أطلقتها السعودية لإنهاء الأزمة اليمنية والتوصل إلى حل سياسي من خلال وقف إطلاق نار شامل في اليمن تحت إشراف ورقابة الأمم المتحدة والالتزام بترتيبات اتفاق ستوكهولم بشأن إيرادات ميناء الحديدة، وبدء المشاورات السياسية بين الأطراف اليمنية للتوصل إلى الحل السياسي الشامل وفق المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية ومخرجات مؤتمر الحوار الوطني الشامل وقرار مجلس الأمن 2216 تحت إشراف مبعوث الأمم المتحدة لليمن ودعما لجهود مبعوث الولايات المتحدة إلى اليمن، حسب نص المبادرة السعودية.

استنتاج متأخر

وبعد أن باءت كل جهود المبعوث الأمريكي الخاص إلى اليمن، بالفشل نتيجة تعنت الحوثيين، إضافة إلى فشل كل زياراته السابقة للمنطقة في إقناعهم بالمبادرات المطروحة، استنتج ليندركينج عدم وجود رغبة حوثية للتوجه نحو السلام، وأن الميليشيات تراهن على التصعيد العسكري على الأرض والدعم الإيراني لها.

وأشار إلى إن دعم إيران للحوثي "كبير جدا وفتاك" ووصف الهجوم على مأرب بأنه "أكبر تهديد لجهود السلام". وفي يوليو قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية نيد برايس، في إيجاز صحفي إن وزارة الخارجية الأمريكية "سئمت" من هجمات الحوثيين في اليمن حيث تفاقم هذه الاعتداءات من الأزمة الإنسانية في البلاد.

ويمثل الاستنتاج الذي توصل إليه المسؤولون الأمريكيون في إدارة بايدن مؤخرا، عكس توقعات الإدارة الأمريكية التي كانت تأمل أن قرار إلغاء تنصيف الحوثيين من المنظمات الإرهابية سيدفعهم نحو السلام.

ويشكل التصعيد الحوثي الذي أفشل تحركات المبعوث الأمريكي الخاص لليمن، إحراجاً للإدارة الأمريكية بقيادة الرئيس بايدن الذي تعهد عند وصوله بإنهاء الصراع ووقف الحرب في اليمن.

انتقادات لاذعة

وباتت الإدارة الأمريكية تتعرض لانتقادات لاذعة من أعضاء داخل الكونغرس والصحافة الأمريكية والدولية بسبب السياسة المتراخية تجاه التصعيد الحوثي المدعوم إيرانياً والتهديد الذي يشكله على مصالح الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة.

ويجري داخل الولايات المتحدة تحميل إدارة بايدن مسؤولية تبعات تسرعها في قرار إلغاء تصنيف مليشيا الحوثي كمنظمة إرهابية من باب أنه كان خطوة متسرعة وغير محسوبة، وأدى إلى عكس ما توقعته الإدارة الأمريكية التي توهمت أن قرار الإلغاء سيؤدي إلى التهدئة ونوع من السلام واعتقدت أنه سيمنحها مكانة لدى المتمردين الحوثيين الذين اعتبروا أنهم حصلوا على القرار الأمريكي كمنجز حققوه بمزيد من العنف، ومن ثم تجاهلوا مبادرات السلام وسخروا من جهود المبعوث الأمريكي الخاص إلى اليمن.

وسخرت وول ستريت جورنال الأمريكية من تعامل إدارة الرئيس جو بايدن مع الحرب الانقلابية في اليمن بعد إلغاء قرار تصنيف مليشيات الحوثي منظمة إرهابية. وقالت الصحيفة إن "الإدارة الأمريكية كانت تأمل في أن يقنع هذا الامتياز الحوثيين بالتفاوض، لكنهم بدلا من ذلك قاموا بالتصعيد".

وتعليقا على تصعيد الهجوم على مأرب والهجمات البالستية على المدنيين والمنشآت المدنية والاقتصادية في السعودية أضافت الصحيفة"تجاهل الحوثيون أنطوني بلينكن مرة أخرى، هذه المرة هو يعترض بشدة"، ووصفت أن "هذه العادة أصبحت عادة محرجة، حيث يتجاهل الخصم الذي تتودد إليه إدارة بايدن مناشدات الولايات المتحدة ويواصل شن الحرب ضد حليف بينما تصدر وزارة خارجية بايدن محاضرة صارمة في بيان صحفي".