ملاحقة البحث والاطلاع والسؤال عن الأعلام والشخصيات في هذا الوطن لا تنقطع بالنسبة لي قبل تكليفي بإعداد صفحة "سطور المشاهير"، ولكنه كثر بعد هذا التكليف المثري لي، وأضاف الكثير من المعلومات والفوائد والحكايات والمواقف عند هذه الشخصيات التي أكتب عنها، بل إنني أستمتع بهذه الملاحقة وأتتبع هؤلاء الأعلام، خاصةً إذا قابلت مَن يمت لهذه الشخصيات بالقربي من أولاد أو أحفاد، ومن هذه الشخصيات الشهيرة التي كنت أسمع عنها ذكراً طيباً ملأ أرجاء العاصمة الرياض الإداري الدبلوماسي محمد بن ناصر بن ضاوي -رحمه الله-، هذا الرجل منذ مدة ليست قصيرة وأنا أبحث عن أخباره وسيرته، حتى قابلت ابنه عبدالله بن محمد بن ضاوي الذي حكي لي بعض قصص والده الكثيرة إبان إدارته للجوازات بمدينة الرياض، وقد وثّق سيرة والده في كتاب يحكي المراحل التي اجتازها في مسيرة حياته.

وُلد محمد بن ناصر بن ضاوي عام 1322هـ ببلدة حرمة في إقليم سدير، وقد درس في بلدته في مدارس الكتاتيب التي كانت هي المصدر الأوحد لتلقي التعليم في منطقة نجد، فليس هناك ثمة مصادر تعلّم القراءة والكتابة والقرآن سواها، ويطلق عليها في العصور الأولى المكتب.

رحل ابن ضاوي إلى مدينة الزبير وشاهد عالماً غير عالم بلدته حرمة الصغيرة جداً، وتأثر بهذا العالم المختلف ثقافياً واجتماعياً واقتصادياً، وكانت مدرسة النجاة معلماً من معالم مدينة الزبير التي أسسها العلامة محمد الأمين الشنقيطي -رحمه الله- عام 1339هـ - 1920م، ومعه أناس من أهالي الزبير قد شاركوه التأسيس، وكانت نظامية تُدرس فيها العلوم الإسلامية واللغة العربية والرياضيات والخط والفرائض ومسك الدفاتر التجارية.

نقلة تعليمية

وانضمّ محمد بن ضاوي -رحمه الله- إلى مدرسة النجاة ودرَس فيها هذه العلوم الحديثة بطريقة منهجية وأساتذة من الزبير وخارج الزبير، وكانت هذه المدرسة بالنسبة لابن ضاوي مرحلة كبرى في النقلة التعليمية تلقى فيها علوماً جديدة مثل الرياضيات ومسك الدفاتر التجارية والضلوع في اللغة العربية والتوسع في العلوم الشرعية وفي السيرة النبوية، وفعلاً وواقعاً ليست مدرسة النجاة مدرسة ابتدائية على شكلها النظامي، لكنها تعد كلية بهذه المناهج الدراسية، وفيها من علماء الشريعة واللغة العربية والرياضيات وغيرهم ممن يدرسون فيها، فكان من حسن الحظ أن درس فيها محمد بن ضاوي وقد تحدث عن هذه المدرسة المؤرخ الباحث عبدالعزيز الناصر في كتابه القّيم الزبير وصفحات مشرقة من تاريخها العلمي والثقافي، ومن هذا المصدر أخذت هذه المعلومات عن مدرسة النجاة.

مدرساً بالجبيل

وبعدما نهل محمد بن ضاوي -رحمه الله- من العلم والتحصيل في مدرسة النجاة استقر في الجبيل معلماً في مدرسة سليمان الكهلان، وهو من أهل المجمعة، أديب وسابق زمانه في نبوغه، وانضم مع الكهلان في هذه المدرسة وبذل بهذه المدرسة جهده في غرس التعليم في نفوس تلاميذه وغرس الأخلاق الكريمة لهذا النشء، وكان هذا عام 1343هـ وعمر الشيخ محمد بن ضاوي واحد وعشرون عاماً، وكانت الجبيل تلك البلدة الساحلية لابن ضاوي قصة ليست طويلة لكنها لها أعماق في نفسه وتجربة تربوية تعليمية.

إلى مكة

وارتحل محمد بن ضاوي -رحمه الله- إلى مكة ولعل طموحه وعلو همته قادته إلى هذه الرحلة الطويلة على ظهر الجمال من الجبيل إلى مكة، حيث لا يزال شاباً لديه روح المغامرة في هذه الحياة والجسارة على سلوك الطرق المؤدية إلى الجديد في العيش والارتقاء، فالحجاز يختلف اجتماعياً وثقافياً عن نجد، وكان لتوه ضمّه الملك المؤسس عبدالعزيز -رحمه الله- وكان تاريخ وصول ابن ضاوي عام 1346هـ، ويذكر عبدالله بن ضاوي في كتابه عن والده بعنوان (محمد بن ضاوي سيرة ذاتية) أن والده توظف بالهجانة في مكة وأصبح إماماً في مسجد قلعة أجياد ولحبه للعلم والمعرفة توجه إلى المسجد الحرام وكانت حلقات العلماء زاخرة بالمسجد الحرام من علماء المذاهب الأربعة ونهل من بعض هؤلاء العلماء ولكن لا نعرف من هم العلماء الذي نهل من علومهم.

مهمة حساسة

وما زال الطموح في نفسية محمد بن ضاوي -رحمه الله- وهذا الأمر يجسده عبدالله بن ضاوي في كتابه عن والده، حيث يقول: إن والده كتب خطاباً إلى الملك عبدالعزيز يطلب منه أن يكون موظفاً بالديوان الملكي، فسأل عنه الملك عبدالعزيز بعض من يعرفه ممن كانوا مع الملك المؤسس، وقد سأل القيادي عبدالله العسكر وعبدالله التويجري فأثنيا على بن ضاوي ووالده.

ومن قرب ابن ضاوي من الملك المؤسس عرفت شخصيته وما تختزنه من مواهب منحه الله إياها، لهذا أرسله المؤسس إلى بعض ملوك ورؤساء دول عربية وإسلامية، وهذا الاختيار والإيفاد الدبلوماسي دليل قاطع وبرهان واضح على نبوغ شخصية ابن ضاوي وتمكنه من إقناع القيادة السياسية والعليا بشخصيته الفاعلة والمتمكنة من مهام الأمور، فمهمته هذه حساسة وبالغة الدقة وتحتاج إلى مهارة وسياسة وحسن منطق؛ لأن هذا الموفد يمثل ملك دولته.

زيارات رسمية

وأوفد الملك عبدالعزيز -رحمه الله- محمد بن ضاوي إلى شاه ايران آنذاك، وقدم الدبلوماسي محمد بن ضاوي هدية من الملك المؤسس إلى شاه إيران رضا بهلوي وهي ثلاثة خيول عربية، في حفل أقامه الشاه بمناسبة هذه الزيارة الرسمية، وكان الهدف منها توثيق العلاقة بين المملكة ودولة إيران، ومن الزيارات الرسمية التي أنيطت بالدبلوماسي محمد بن ضاوي زيارته لليمن لإمامها يحيى حميد الدين وكان الدبلوماسي يحمل رسالة واستلم جوابها، ولقد صدقت شهادة المؤرخ المترجم للملك عبدالعزيز محمد بن مانع -رحمه الله- في محمد بن ضاوي حيث قال: "إنه شاب في غاية البراعة وقد أثبت براعته الدبلوماسية في هذه الزيارات الرسمية"، ومن الدول التي زارها الدبلوماسي محمد بن ضاوي بتكليف من الملك المؤسس سورية وتركيا وباكستان، ولو قدر لابن ضاوي أن يكون سفيراً بإحدى الدول العربية فهو كفء بهذه الحقيبة الدبلوماسية؛ لأنه شخصية ذات قدرة في فن العلاقات الدبلوماسية، وهذه المهمات الرسمية أضافت إلى رصيد خبراته التراكمية، وهو رجل لماح وذكي وسريع البديهة وقوي الشخصية لا يمكن أن يمر بتجربة في حياته إلاّ ويستفيد منها خصوصاً هذه الزيارات الرسمية التي كلفه بها المؤسس -رحمه الله-.

رئيس ديوان

ومن المسؤوليات التي كلف بها محمد بن ضاوي -رحمه الله- تعيينه في إمارة عسير رئيس ديوان الإمارة عام 1353هـ، وهو منصب قيادي يتطلب الإدارة الحازمة والقوية والحكيمة والمتوازنة؛ لأن إمارة عسير تشمل قرى كثيرة وفيها من القبائل والأسر، لهذا كان تعيينه مناسباً لشخص عرف عنه البراعة كما قال عنه ابن مانع والكثير من الذين عملوا مع الملك المؤسس كانوا قياديين في الإدارة بالفطرة أولاً وثانياً بما اكتسبوه من تجارب سابقة والاستفادة من أهل التجارب وتوفيق الله عز وجل قبل كل شيء، ووفق الله عز وجل ابن ضاوي في رئاسة ديوان إمارة عسير وعرف المنطقة وخبرها، وتكوّن عنده مركز معلومات في ذاكرته التي لا تنسى وسوف ينهل من مركز معلوماته هذه عندما يعين مديراً لجوازات الرياض، وقد أنجز -رحمه الله- وساهم في مستوى منطقة عسير ثقافياً، حيث أسس نادياً يضم أدباء المنطقة وشعرائها وهو بهذا التأسيس يعد رائداً لأول نادٍ أدبي يقام في المملكة وفي منطقة عسير، ويرجع الفضل له لأنه سابق جميع الأندية في المملكة، وقبل التفكير بتأسيس الأندية وبعد إمارة عسير عيّن ابن ضاوي مفتشاً في مكة المكرمة والقنفذة ومدن الشمال وبعد التفتيش صدرت برقية من الملك المؤسس بتعيين ابن ضاوي مساعداً للمندوب التجاري في الكويت، وهذه كذلك خبرة إدارية تضاف إلى تجاربه وثقة القيادة العليا بشخصيته الإدارية المتمكنة من أداء عملها ببراعة وجودة وإبداع.

مدير جوازات

ومن أشهر القيادات الإدارية التي أوكلت إلى محمد بن ضاوي -رحمه الله- منصب مدير الجوازات والجنسية بالرياض وذلك عام 1373هـ، وهذا المنصب جاء في وقت كان الكثير من أفراد الناس من المواطنين ليس لديه وثيقة رسمية تحمل اسمه وميلاده ومسقط رأسه ومهنته، وهو ما يطلق عليه قديماً "التابعية"، فلم يكن ابن ضاوي ذلك المعقد الإداري الروتيني الغارق في البيروقطية، بل كان مفتاحاً لكل أمر سهل مغلقاً كل عقبة للمراجعين الذين يتوافدون على إدارة الجوازات كل صباح حتى نهاية الدوام في السبعينات الهجرية والثمانيات الهجرية بشارع الملك فيصل -الوزير- بالرياض، وكان مكتبه مفتوحاً لكل الناس لا يرد أحداً مطلقاً ويسهل أمورهم بما منحته القيادة العليا من صلاحيات إدارية، فكم من مراجع قد أدخل عليه ابن ضاوي السرور والفرحة بعدما يئس من معاملته، فما هو إلاّ أن دخل على ابن ضاوي إلاّ وحل مشكلته، وهذا مما سمعت، لقد قضى ابن ضاوي حاجات الجمهرة من المراجعين في وقت كانت الأمية سائدة وعدم معرفتهم بالأنظمة، فكان يبادر بمساعدتهم والأخذ بيدهم وكان من تسهيلاته للمراجعين كلمته المشهورة في الذين يطلب منه تعريف من العمدة وهم لا يستطيعون إحضار تعريف يقول كلمته: "أنا عمدتك"، بعدما يتأكد من معلومات المراجع المواطن لأجل أن تصدر له حفيظة نفوس.

حكاية وقصة

والحكايات كثيرة عن مواقف محمد بن ضاوي -رحمه الله- عندما كان مديراً لجوزات الرياض وفي كل بيت حكاية وقصة عن ابن ضاوي، وقد قال أحمد أبو دهمان في مقالته عن ابن ضاوي نقلها عبدالله بن ضاوي في كتابه عن والده: "في هذا الصيف كنت في الجنوب، وكنت أسأل أهل القرية عن لحظة وصولهم إلى الرياض، عن لحظة إقلاعهم من القرية، عن حكايتهم عن سيرة قرية ومدينة الرياض، كل منهم روى حكاية على حدة، وكلهم أجمعوا على اسم واحد هو محمد بن ضاوي الذي كان يومها مديراً للجوازات الرياض"، وكان ابن ضاوي معرفاً لهم وبمثابة أبيهم في الرياض وكان يعرف الجنوب ومشايخ القبائل ونواب القرى والبادية والجبال القاصية وذلك بحكم عمله في استحصال الزكوات من أهالي الجنوب.

وفي الختام أشكر عبدالله بن ضاوي الذي أمدني بكتابه عن والده، فرحم الله محمد بن ناصر بن ضاوي الذي مكث في جوازات الرياض من عام 1373هـ حتى عام 1384هـ لم ينتقد في عمله طوال هذه السنوات، بل كان عمله إخلاصاً وصدقاً ووطنية لهذا الوطن.

توفي محمد بن ضاوي في الثاني عشر من صفر عام 1403هـ، غفر الله له وأسكنه الفردوس الأعلى، كان رحيماً بقرابته وذويه وواصلاً لهم ولجماعته أهالي حرمة.

محمد بن ناصر بن ضاوي -رحمه الله-
عبدالله بن محمد بن ضاوي
ابن ضاوي في زيارة رسمية إلى طهران
ابن ضاوي ذهب إلى الزبير ودرس فيها العلوم الحديثة
خبر صحفي نُشر في جريدة الإيمان تناول زيارة محمد بن ضاوي إلى اليمن موفداً من الملك عبدالعزيز
إعداد- صلاح الزامل