لا يبرِّر إحراجَ الإنسان صدقُ القائل فيما أحرجه به، فالإنسان لو صدر منه ما يُخجله أن يُتحدَّثَ به عنه ويُحرجه أن يُواجَه به بين الملأ لم يعدم أسلوباً من أساليب التنبيه والإرشاد يفي بالغرض من تنبيهه ومعالجة الإشكال الحاصل مع خُلوِّه من الإحراج..

الإنسان -في وضعه السويِّ- تحرجه بعض المواقف وتخجله الأمور التي يستحيي أمثاله من صدورها منهم أو يجدون في تعرُّضهم لها غضاضة عليهم، فإذا تعرض لموقفٍ منها سِيء وجهه ونزل عليه مكروه، وهذا الشعور عصبٌ حيويٌّ لكثيرٍ من الأخلاق الحميدة، وأهمها الحياء الذي هو من الإيمان، فمن لا يتحرّج مما ينبغي أن يتحرّج منه فليس حييّاً، ومن لا يتحرّج مما لا ينبغي لن تجده كريماً؛ لاحتياج الكرمِ إلى تدفق المشاعر التي تُغذيه، وهي عبارةٌ عن نفرة النفس من وصمة الشحِّ، ولن تجده شجاعاً؛ لأن الشجاع من يبذل نفسه ذوداً عما يرى أن استباحته تُخلُّ بشخصيته وتلحق به الحرج، وهلمَّ جرًّا، وبالمقابل يُؤتى من لا مروءة له من قِبلِ تبلُّد مشاعره إلى أن تصبح نفسه محصَّنةً تماماً عن الإحساس بأي حرجٍ جرَّاءَ ما يرتكبه أو ما يتعرّض له، ولا ينكفُّ من هذه حاله عن شيءٍ سوَّلته له نفسه، كما نطق به الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم في قوله: (إذا لم تستح فاصنع ما شئت)، أي صنعت ما شئت، ولي مع الإحراج وقفات:

أولاً: من شأن المسلم أن يتجافى عن كل ما يُلحق الحرج بأخيه، وأن يتحفّظ من ذلك تحفُّظَه من أن يُلحق به الضرر المحسوس أثره، وأن يُراعي ما يلحق المحرَجَ من التألم الباطني الذي عبّر الشاعر عن حقيقته بقوله: وَجُرْحُ اللِّسانِ كَجُرْحِ اليَدِ، وذلك التألم قد تظهر ملامحه على المحرج بظهور الانكسار عليه وإبدائه الامتعاض، وقد يُخفيها، ولا يلزم من خفائها عدمُ التألم، فبعض الناس لهم من الجلَد والتحمُّل ما يُقاومون به أغلب الأعراض النفسية والجسمية، لكن ليس لأحدٍ أن يقول: "فلانٌ ما شاء الله عليه يتحمَّلُ"؛ ليتخذ ذلك ذريعةً للحرية التامة في التعامل معه، وترك مراعاة مشاعره، فهذا يكاد يكون بمثابة أن يضربه اتِّكالاً على أنه يتجلّد للضرب.

ثانياً: لا يبرِّر إحراجَ الإنسان صدقُ القائل فيما أحرجه به، فالإنسان لو صدر منه ما يُخجله أن يُتحدَّثَ به عنه ويُحرجه أن يُواجَه به بين الملأ لم يعدم أسلوباً من أساليب التنبيه والإرشاد يفي بالغرض من تنبيهه ومعالجة الإشكال الحاصل مع خُلوِّه من الإحراج، وعلى من تصدى لمعالجة ذلك الأمر أن ينتهج الأسلوب السليم، ويتلطف في التنبيه، وإن كان منطلق الأمر جهالة الفاعل بما ينبغي علَّمه، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع الأعرابي الذي بال في المسجد، وإن كان ترك إحراج المرء لا يتأتى إلا بشيءٍ من التغافل له، فهذا من شيم الفضلاء، فهم يتغافلون -وإن كانوا غير غافلين- ويتجاهلون الشيء مراعاة للخواطر، وقد نقلوا عن عطاء بن أبي رباح -رحمه الله تعالى- أنه إذا حدثه شخصٌ بحديثٍ وهو يعلمه أصغى إليه إصغاء من لم يسمعه قط؛ لئلا يُخجل جليسه، بل نُقل عنه زجره لمن يُسابق المتحدث في مجلسه ليُظهر أن ما يقوله معلوم.

ثالثاً: من مقاصد الشريعة المطهرة نفي الحرج، ويدخل في هذا الإرشاد إلى الطرق التي يتجنب بها الإنسان الظهور بمظهرٍ يُخجله باستعمال المعاريض، ومن ذلك حديث عَائِشَةَ رضي الله عنها، قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ صَلى الله عَلَيهِ وَسَلمَ: (إِذَا أَحْدَثَ أَحَدُكُمْ فِي صَلاَتِهِ، فَلْيَأْخُذْ بِأَنْفِهِ، ثُمَّ لِيَنْصَرِفْ) أخرجه أبو داود، وقد ذكر بعض العلماء من فقه هذا الحديث أن الحكمة من وضع يده على أنفه كهيئة الراعف؛ بحيث يظن الناس أنه خرج للرعاف أن لا يخجل ويُسوِّل له الشيطان المضي في الصلاة استحياء قال: "وفيه إرشاد إلى إخفاء القبيح والتورية بما هو أحسن ولا يدخل في الرياء بل هو من التجمل واستعمال الحياء وطلب السلامة من الناس"، فالشرع يرشد من تعرَّض لموقفٍ مُحرجٍ إلى ما يدفع عنه هذا الحرج فكيف يسوغ للمسلم أن ينبش لأخيه ما يُخفيه مما يُستحيي منه، ويتضاعف خطر نبش ما يُحرج الإنسانَ بحسب كميَّة الخجل الذي يتسبب فيه، فيجب مراعاة ذلك في وسائل التواصل الاجتماعي، ففي الإحراج الحاصل فيها نكاية شديدة، ولا يُعذر من ادعى أنه يُريدُ إرشاد معيَّنٍ فيها فشخَّصه فيها بالنقد الجارح؛ فهي أولى بمحاشاة التعميم فيها من المنبر؛ لأن جمهورها أكثر وأكثر حساسية، ومعلوم أنه إذا اقتضت معالجة الأمر الكلام على رؤوس الأشهاد فالسنة التعميم وترك التشخيص، فعن عَائِشَةَ رضى الله عنها قَالَتْ: كَانَ النَّبِىُّ -صلى الله عليه وسلم- إِذَا بَلَغَهُ عَنِ الرَّجُلِ الشَّىْءُ لَمْ يَقُلْ مَا بَالُ فُلاَنٍ يَقُولُ وَلَكِنْ يَقُولُ « مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَقُولُونَ كَذَا وَكَذَا»، أخرجه أبو داود.