إن هذين التيارين المتطرفين -أصحاب الرفض المُطلق للآخر البعيد شرقاً وغرباً، وأصحاب التبعية المطلقة للآخر البعيد شرقاً وغرباً- ساهما مساهمة سلبية عظيمة على مدى عقود في بث روح الانهزامية لدى العرب، وقللوا من تاريخ العرب ومنجزاتهم العظيمة..

في الماضي البعيد -وتحديداً مُنذُ عهد النبوة والخلافة الراشدة- كانت نظرة العرب للأمم الأخرى لم تتجاوز مستوى الاحترام لما وصلت له تلك الأمم من تقدم وتطور في مجالات المعارف والعلوم والفنون البناءة، التي جعلت منهم أمماً متقدمة ومتطورة، في الوقت الذي كانوا فيه -كعرب- يعتزون بأنفسهم اعتزازاً عظيماً، ويؤمنون إيماناً يقينياً بأن الغلبة في جميع المجالات ستكون لهم، نتيجة امتلاك ثقافتهم وحضارتهم جميع الأدوات التي ستمكنهم من التفوق الحضاري والثقافي والمعرفي والعلمي على الأمم الأخرى ذات التاريخ والمكانة. هذه النظرة العظيمة للذات المبنية على أسس سليمة وصحيحة ساهمت مساهمة عظيمة على مدى قرون متعاقبة في تأسيس أجيال عربية تعتز بعروبتها، وتُعلي من شأن ثقافتها وحضارتها، وتساهم في عمارة الأرض وخدمة البشرية. نعم، بنظرة الاعتزاز هذه للذات مع الإيمان العظيم بالأدوات التي يمتلكونها، استطاع العرب إقامة إمبراطوريات عظيمة تغلبت على الأمم الأخرى في شتى المجالات، وفرضت هيمنتها وأوجبت احترامها على جميع الأمم الأخرى التي سبقتها في النشأة والوجود، ومع تلك الغلبة العظيمة للعرب التي من خلالها ساهموا في عمارة الأرض وتعزيز مكانة وكرامة الإنسان في كل مكان، فإنهم لم يتجاهلوا إسهامات ومساهمات الأمم الأخرى في شتى المجالات، ولم يطمسوها أو يخفوها أو يدمروها وإنما حافظوا عليها، إيماناً منهم بأن أبناءهم وثقافتهم وحضارتهم أعظم بكثير من أن يتأثروا أو ينهزموا أمام حضارات وثقافات الأمم الأخرى. نعم لقد كانت تلك نظرة العرب للآخر على مدى قرون، فكيف هي نظرة العرب للآخر في وقتنا المعاصر والحديث؟ ولماذا؟

قد يكون بين الماضي العريق ووقتنا المعاصر والحديث حقبة زمنية سلبية جداً -امتدت لستة قرون تقريباً- تراجعت فيها مكانة العرب وفقدت خلالها الكثير من مكانتها التاريخية، نتيجة لوقوع مناطقهم وأراضيهم تحت الهيمنة والاحتلال الأجنبي متعدد الهويات والعرقيات والثقافات، ومع ذلك كله استطاع العرب المحافظة على عروبة أرضهم، وأصالة لغتهم وهويتهم، وعراقة عاداتهم وتقاليدهم، وسمو مبادئهم وقيمهم، لأن اعتزازهم بعروبتهم فاق كل اعتزاز، على الرغم من وقوعهم تحت هيمنة الأمم الأخرى واحتلال أراضيهم. فإذا كان كذلك هم العرب في نظرتهم للآخر على مدى قرون يعتزون اعتزازاً عظيماً بأنفسهم وبثقافتهم وحضارتهم، ولا يمكن أن ينهزموا أو يتنازلوا أمام الآخر مهما تقدم وتطور مع استفادتهم منه، فمن الطبيعي أن يكون هكذا هو حال العرب في وقتنا المعاصر والحديث كامتداد لعزة العرب في جميع الأحوال.

قد يكون من السهل القول: نعم، إن نظرة العرب للآخر في وقتنا المُعاصر والحديث والحاضر كما هي في الماضي البعيد والقريب، وإن نظرة الاعتزاز العربية بينهم كما هي لم تتغير، إلا أن هذا القول يحتاج إلى أن يُصادق عليه واقع وحاضر العرب في نظرتهم للآخر، وفي نظرتهم لبعضهم البعض، وبعيداً عن الجزم بالإجابة أياً كانت إيجابية أو سلبية على التساؤلات المطروحة، فإن الذي يمكن قوله حول واقع وحاضر نظرة العرب للآخر بأنها متشعبة ومنقسمة حول اتجاهين رئيسين أثرا بدورهما على حاضر وواقع العرب، سواءً في نظرتهم للآخر أو في نظرتهم لبعضهم البعض، وهذان الاتجاهان المتضادان تمثلا: إما بالرفض المطلق للآخر والعداء لكل من لا يعلن عداءه لثقافة وحضارة ذلك الآخر البعيد شرقاً وغرباً، وإما بالتبعية المُطلقة للآخر والعداء لكل من لا يدين بالولاء والتبعية المطلقة لثقافة وحضارة وأيديولوجية ذلك الآخر البعيد شرقاً وغرباً.

إن لهذين الاتجاهين الرئيسين -اللذان يسيطران بشكل أو بآخر على الواجهة العربية في وقتنا المعاصر والحديث والحاضر- آثار سلبية عظيمة على العرب وتاريخهم العريق، الذي قام على أسس صلبة أعزت العرب، وجعلت لهم مكانة بين الأمم.

فإذا أخذنا التوجه الذي يرفض رفضاً مطلقاً الآخر البعيد شرقاً وغرباً، فإننا نجد هذا التوجه سيطر عليه أصحاب التوجهات الأيديولوجية المتطرفة، خاصة تلك التي ترفع شعارات إسلامية.

وهذا التوجه الإقصائي المتطرف عمل وما زال يعمل على تدمير الهوية العربية، والتقليل من شأن العرب، وتجاهل إنجازاتهم ومنجزاتهم العظيمة، وذلك خدمة لهويات وعرقيات أخرى تتطلع لطمس تاريخ العرب، والانتقام منهم، وتطمح للهيمنة عليهم من جديد، لقد لعب أصحاب هذا التوجه الإقصائي دوراً سلبياً عظيماً بتقليلهم من دور العرب، وجعلهم أدوات طيعة ذليلة تنفذ أجندة الأمم الأخرى التي ترفع شعارات الهوية الأممية، لتنفذ أغراضها وأهدافها السياسية التدميرية تجاه العرب وتاريخهم المجيد. نعم، لقد ساهم أصحاب هذا التوجه الإقصائي مساهمة عظيمة في تدمير الهوية العربية، وبث روح الفتنة والشقاق بين أبناء الأمة العربية، ومكنوا أعداء العرب من أرضهم وثرواتهم.

وإذا أخذنا التوجه المُضاد الذي يعلن التبعية المطلقة للآخر أياً كان غربياً أو شرقياً، فإننا نجد أن هذا التوجه سيطر عليه أصحاب التوجهات الفكرية المتطرفة الرافضة لكل ما هو عربي أو إسلامي، وخاصة الذين يرفعون شعارات الليبرالية والعلمانية والاشتراكية، وهذا التوجه المتطرف عمل وما زال يعمل على تدمير الهوية العربية، وتشويه أصالة اللغة العربية، وتجاهل العادات والتقاليد العربية العريقة، والتقليل من تاريخ وإنجازات ومنجزات العرب على مدى قرون عديدة، وذلك خدمة لثقافات وحضارات وهويات تتطلع للانتقام من العرب، والهيمنة عليهم، وسلب ثرواتهم وخيرات أراضيهم، لقد لعب أصحاب هذا التوجه دوراً سلبياً عظيماً -تجاه كل ما هو عربي- وذلك بجعلهم العرب أدوات تنفيذ لأجندتهم التوسعية، وأدوات نشر لأفكارهم وثقافتهم وأيديولوجياتهم المتطرفة، وأدوات عرض لسلوكياتهم وممارساتهم غير السوية. نعم، لقد ساهم أصحاب هذا التوجه المتطرف مساهمة عظيمة في تدمير الهوية العربية، ومكنوا أعداء العرب من أرضهم وثرواتهم.

إن هذين التيارين المتطرفين -أصحاب الرفض المُطلق للآخر البعيد شرقاً وغرباً، وأصحاب التبعية المطلقة للآخر البعيد شرقاً وغرباً- ساهما مساهمة سلبية عظيمة على مدى عقود في بث روح الانهزامية لدى العرب، وقللوا من تاريخ العرب ومنجزاتهم العظيمة، وشوهوا صورة رموزهم التاريخية والوطنية، وفي المقابل حسنوا صورة أعداء العرب، وأعلوا من شأنهم، وجعلوهم سبباً لعزة الإنسان والإنسانية، حتى أصبح ذلك الآخر في نظر العرب هو الأول وليس بعده شيء.

وفي الختام من الأهمية القول: إن على أبناء الأمة العربية أن يدركوا إدراكاً يقينياً بأنهم أصحاب ثقافة وحضارة عظيمة بقيمها ومبادئها وعاداتها وتقاليدها التي تؤثر بالآخر ولا تتأثر، وتقود الآخر ولا تُقاد من أي كان، وهذا الذي أثبته تاريخ العرب العريق، وهذا الذي يجب أن يكون حاضراً في ذهن كل عربي، فالعرب يجب أن يكونوا قادة، لا أن يكونوا تبعاً وأدوات للآخر.