لا أحد يتجاهل سطوة السياسة الأميركية في التضاريس الإعلامية، وقدراتها في صناعة محتوى إعلامي مثير يشكّل قصصاً ملونة مليئة بـ"الأكشن" كما هي الحال في سينما دي سي ومارفل، ورامبو ومثلها.

اليوم الآلة الإعلامية الأميركية هي محرك سياسي مرتبك يسهم في تخشيب العلاقات الدولية، ويتم من خلالها ممارسة برامج سياسية عابثة، ويستعان بها لتصنيع حالة من عدم التوازن السياسي، وافتعال الحدث في مناطق الهدوء والاتزان.. فتترك الغايات الحزبية والأصوات المتحيزة بقيادة المشهد الإعلامي.

في عام 2004، نظرت لجنة التحقيق في اعتداءات 11 سبتمبر عن كثب إلى دور السعودية في الهجمات، لكنها لم تجد أدلةً تثبت ضلوع الحكومة أو المسؤولين السعوديين في الاعتداءات والكل يذكر ما أعلنه مدير المخابرات المركزية الأميركية جون برينان في 2016، أنه يتوقع نشر 28 صفحة سرية من تقرير للكونغرس الأميركي عن هجمات 11 سبتمبر 2001 وعلى الولايات المتحدة أن تبرئ السعودية من أي مسؤولية عن هذه الهجمات.

وكانت هناك صفحات حُجِبت عن النشر لم يتح للسعوديين الاطلاع عليها كي يدافعوا عن أنفسهم، وكما قال الأمير بندر بن سلطان سفير السعودية في واشنطن آنذاك إنه بوسع السعودية الرد على الوثائق المنشورة حال نشرها.

ثم تتجلى السياسة السعودية العالية في مبدأ ذكره الأمير سعود الفيصل -رحمه الله- نحن "لا نخفي شيئاً ولا نحجبه اظهروا ما لديكم ليرى الجميع الحقائق".

العالم يتجاهل حجم ما عانته المملكة من إرهاب كأكثر دولة في العالم، وتستغشي بعض الأطراف أثوابها وهم يدركون أن أكثر الإرهابيين من مناطق يعرفونها ويعرفون من صنعهم، ويغضون الطرف عن جهود المملكة وتعاونها في مكافحة الإرهاب على مستوى العالم.

ولا شك أن ما قاله وزير الدولة للشؤون الخارجية عادل الجبير في مؤتمر صحافي عقده سابقاً في مقر السفارة بواشنطن عقب الإفراج عن بعض الصفحات السرية في التقرير: "دعت المملكة للإفراج عن هذه الصفحات منذ اللحظة التي حجبت فيها، وكنا نؤمن منذ ذلك الوقت أن المملكة لا يمكن لها الرد على الاتهامات الصادرة عن صفحات فارغة، قلنا بأوضح العبارات الممكنة أنه ليس لدى المملكة ما تخشاه، وأنها عازمة على ملاحقة الإرهابيين، ومن يمولونهم أو يبررون أفعالهم".

والكل يدرك مدى حرص السعودية على معرفة مضامين تلك الصفحات حتى تتمكن من التحقيق وملاحقة ومحاسبة المسؤولين عن أي فعل خاطئ، ومنذ ذلك الوقت وحتى الإفراج عن العناصر الموجودة في الـ28 صفحة أو من خلال التحقيقات التي وصلت إلى أنه ليس هناك تدخل من الحكومة السعودية، أو من مسؤولين سعوديين محسوبين على الحكومة في الهجمات.

ويبقى القول: السعودية لم تحمل حتى لافتات تتضمن (الموت والدمار لأميركا) كما حملتها بعض الدول وجعلتها شعارات وغايات لها، لأنها دولة تحترم شركاءها، وتتعاون مع حلفائها من أجل السلام والاستقرار العالمي، وتاريخها مملوء بالمواقف الثابتة والراسخة التي لا تحيد عنها، لذا يتوجب على الطرف الأميركي أن يقرأ علاقته بالمملكة بلغة الوعي والتاريخ الطويل المشترك بينهما.