الكتاب وصف للمراحل والتحولات التي مر بها في حياته، وحصيلة للتفاعلات والتراكمات والمواقف التي بقيت ماثلة في ذاكرته، وكانت عميقة لدرجة أنه يستحضرها في ذهنه ويعبر عنها بطريقة عاطفية في أحاديثه..

قبل أيام كنت في زيارة ثقافية للأديب عبدالله بن عبدالمحسن الماضي، فالحديث معه متعة عقلية يشعر من يقابله برقة فياضة، ولمسة حانية، وود أكيد، وبأن لك مكانة خاصة عنده، هذا على المستوى الشخصي، أما على المستوى الثقافي، فعندما تقرأ نثره تشعر بعمقه، وسعة اطلاعه،  وعندما تجلس إليه يمتعك ويثريك بأحاديثه.

أهداني مجموعة من مؤلفاته، والتي كان أصدرها على فترات مختلفة متقاربة ومتباعدة.

ففي عام 2000 اتخذ قراراً بالتفرغ للكتابة، بعد أن تراكمت عنده ثقافات ومعارف مختلفة ومتنوعة، وكان كتاب "ذاكرة من الزمن" والذي كان نشره عام 2007م يمثل أول إصدارته، والمتن الأساسي لتجربته.

فالكتاب وصف للمراحل والتحولات التي مر بها في حياته، وحصيلة للتفاعلات والتراكمات والمواقف التي بقيت ماثلة في ذاكرته، وكانت عميقة لدرجة أنه يستحضرها في ذهنه ويعبر عنها بطريقة عاطفية في أحاديثه، والتي كانت تمثل الظروف المحزنة ومرارة الحياة وشظف العيش الذي عاناه، والمعاملة غير العادلة التي تلقاها من محيطه في طفولته.

ولذلك فإنه لا يمكننا قراءة هذا الكتاب "ذاكرة من الزمن" بصورة منصفة ما لم نفهم بصورة كاملة شخصية مؤلفه، فأعتقد أن حالة اليتم التي مر بها الأديب عبدالله بن عبدالمحسن الماضي والظروف الاجتماعية التي صاحبتها، وبقاؤها فكرة مركزية في ذاكرته إلى اليوم، والتي تبدو واضحة في هذا النص الحزين المقتبس من كتابه "ذاكرة من الزمن":

(شاء الله الخالق المتكفل بعباده.. ظهور صاحبكم للوجود في سنين عجاف، اعتراها شقاق واختلاف، وشح موارد.. تحفه العناية الإلهية كأي مخلوق على هذه الأرض، ليجد نفسه رقمًا هامشيًا في هجرة بادية كانت تسبح في خضم تيارات متلاطمة، وتصفيات لخصومات بين أقوام وقبائل متناحرة، في صحراء تحكمها الفرقة بلا أسباب.

لتتحول تلك الأقوام والقبائل.. بفضل الله ثم بفضل دعوة إصلاح وجهاد وكفاح.. من أقليات متنافرة إلى جماعات متصالحة.. تلملم شتات شملها.. متجهة لبارئها.. لتبدأ رحلة التمدن وصعود سلم الحضارة.. بعد التخلف والمعاناة وشظف العيش.

هدفها الأمن والأمان، والبحث عن الاستقرار، وتأمين ما يسد الرمق ويستر الحال.

احتضنته والدته فترة الرضاعة.. خلال رحلة طويلة شاقة، ثم سلمته وقلبها ممتلئ حرقة وألماً وحسرة.. أمانة لدى الخالق الرحيم.. لتكتنفه مغارة ضيقة في فضاء الله الرحب، وهو طفل يتيم يعيش بعيدًا عن الأهل والبلد.. لا يعرف للحياة طعمًا ولا معنى.. يسرح ويمرح في بوتقة محدودة، محيطها خليط قوم طبيعتهم الخشونة والصلف، يحتمل ذلك الطفل البرد القارس، وحرارة الشمس اللافحة، وخشونة الملبس والمضجع، وسخونة الأرض المحرقة لقدميه الحافيتين، ويواجه صروف الدهر في إقلال وكبد ومعاناة قاسية.

عاش مهمشاً، توحشه الغربة ولا تؤنسه الوحدة.. يرى أنه ليس في مصاف أقرانه.. لرحيل أب لم يره -إلى رحمة الله-، وابتعاد أم تزوجت ولحقت بزوجها، وأهل لا يعرف لهم وجود في الحي.

وقد لا يحس بهذه الحال إلا من جربها، وكابد مرارتها، ولكن الفتى مرغماً وطن نفسه على الصبر، وأصر على أن يتماسك، ويتجلد مخافة أن يشمت به أقرانه.

كان ما يراه من اهتمام وعناية لنظرائه من أهليهم، وتشجيع معنوي لهم، ونظرة إعزاز من الآخرين، يزيد من حرقة الألم لديه والانكسار النفسي داخله.

فأصبح يعيش حياة الغفلة.. لينتهي به المطاف بعد مرور سنین.. من عناء النفس وشقائها.. إلى سماع آراء متضاربة، ومقترحات متناثرة، ولغة جارحة مليئة بالنقد والتهوين، ليدفع نفسه مرغماً إلى طوفان الغربة، والبؤس والشدة، مسافراً لطلب المعيشة، واللحاق بركب القوافل.. إلى مدن نائية وعرة المسالك، مقطوعة الاتصالات، يحفها الخوف والرعب، ويسودها الهم والقلق، ليغامر في سن الخامسة عشرة.. بحثاً عن العمل، ومصدر الرزق، وليواجه المعاناة، والكد والكفاح، في مجتمع جديد متباين الفكر والثقافة، والعادات والتقاليد.

وحين يخلو صاحبكم بنفسه ويتوحد معها، ويفكر فيما مر به من أحداث وما واجه من عقبات وعراقيل، لا يكاد يصدق أنه احتمل ما احتمل، وقاسى ما قاسى من غير عون أو رعاية أو توجيه من أحد، إلا من الله سبحانه وتعالى، فقد كان معلم نفسه، مستفيداً من تجاربه، ومطمئناً إلى أن الله لن يتخلى عنه ولن يضيعه.

تعلم من اليتم والمرض والانكسار المعنوي والبعد عن الأهل قطع المسافات الطويلة، والإصغاء إلى الآخرين، وكبح جماح الرغبة في البكاء.. وفن الخلوة بالذات.. تكشفت له أشياء لم يرها من قبل، وتكشفت عن وجه جديد).

إلا أنه خرج من تلك التجربة المؤلمة والحزينة ملهماً وفريدًا في الكثير من ملامح شخصيته، مؤسسًا لنفسه أهدافًا سامية ومثلًا عليا، كافح في سبيل الوصول إليها، والتي كانت نقطة تحول في حياته، وضعته في حالة من النزاهة والمثالية والنبل الرفيع والروح الأكثر إشراقًا.

أما بقية كتبه فقد تناولت موضوعات متنوعة، والتي نظر إليها من جوانب مختلفة أملاها عليه اهتمامه أو تجربته، والتي تتنوع ما بيت الاجتماعي والثقافي والأدبي.

فمن تلك الكتب من عرض له من زاوية اجتماعية، والمتمثلة في القيم الاجتماعية ككتاب "خواطر وأحاديث للأبناء"، والذي أصدره عام 2009م.

ومنها من تطرق إليها من زاوية تاريخية ككتاب "نشأة الإخوان ونشأة الأرطاوية"، والذي نشر عام 2010م.

ومنها من سلك فيه الطريقة التوثيقية في التاريخ الاجتماعي ككتاب "التوثيق الأسري"، والذي صدر عام 2012م.

ومنها من عرض له من زاوية أدبية ككتاب "نوادر من النثر وشوارد من الشعر"، والذي صدر عام 2018م.

ومنها من اتخذ سبيل الاجتماعيين في دراسة الظواهر الاجتماعية وتفسيرها ككتاب "شواهد من محطات العمر"، والذي صدر عام 2020م، والذي قال عنه: إنه كتب أوله وهو في مطلع السبعين، وكتب آخره في منتصف الثمانين.

تلك كانت نظرة إجمالية سريعة لمؤلفاته، والتي صارت اليوم بطبعات مختلفة يثير بعضها جدلاً وتفسيرات مختلفة، وللمؤلف كتب أخرى تحت الطبع.

ولم يقتصر الأديب عبدالله بن عبدالمحسن الماضي على التأليف، فقد أنشأ منتدى ثقافياً، تتحدث فيه شخصيات علمية وفكرية وأدبية وثقافية واقتصادية واجتماعية.