هذا سؤال لا شك أنه دغدغ مخيلة كل إنسان: ماذا لو كنت تستطيع مشاهدة الماضي؟

تخيل أنك ترى مشهداً حياً لبناء الأهرام، أو أرسطو وهو يعلّم تلميذه الإسكندر الأكبر، أو فتح بيت المقدس، أو معركة عين جالوت، أليس شيئاً شيقاً؟

رغم أننا لا نستطيع ذلك إلا أنه بقدرتنا عمل شيء مقارب: فقط ارفع رأسك للأعلى ليلاً، إنك الآن تشاهد الماضي السحيق!

إن الضوء أسرع سرعة معروفة، عندما تقف وبينك وبين صديقك مسافة 20 متراً وفي يده مصباح كهربائي ثم يشعل المصباح باتجاهك فإنك ترى الضوء فوراً، لأن سرعة الضوء 300 ألف كيلومتر في الثانية، لكن ماذا لو أن المصباح على بُعد مئة ألف سنة ضوئية؟ السنة الضوئية وِحدة مسافة وليست وحدة وقت، كلمة "سنة ضوئية" تعني المسافة التي يقطعها الضوء في سنة كاملة، وبحسبة بسيطة ندرك أن هذه المسافة تعادل قرابة 9 ونصف تريليون كيلومتر، والتريليون يوازي ألف مليار، أو مليون مليون، أي رقم وعلى يمينه 12 صفراً.

هذه مسافة جسيمة، ولكن ظهرت الحاجة لهذه المسافات الهائلة عندما تطور علم الفلك، فالمسافات في الفضاء هذه طبيعتها، الآن لو أن صديقك على مسافة سنة ضوئية وأشعل المصباح فلن يصل لك الضوء إلا بعد سنة. لكن هنا الأمر الظريف: عندما يصل إليك الضوء فإنه وصل لك بعد أن بدأ رحلته، إنك الآن تشاهد شيئاً حصل قبل سنة كاملة.

وهذا ما يحصل عندما تشاهد النجوم، إن نجمنا الكبير -الشمس- قريب من كوكبنا، فهي لا تبعد إلا قرابة 150 مليون كيلومتر، ولأن الشمس قريبة منا نسبياً فإن ضوءها لا يحتاج إلا 8 دقائق ليصل إلينا، عندما تصل إليك أولى إشعاعات الشمس في الصباح فإنك ترى تفاعلاً نووياً حصل قبل 8 دقائق، لكن عندما تشاهد النجوم ليلاً فإنك تشاهد أضواءً انطلقت قبل عصور سحيقة ولم تصل إليك إلا آنذاك.

باختصار، عندما تشاهد النجوم فإنك تنظر مئات الآلاف من السنين للماضي، قبل أن تُخلق أنت وقبل أن تُخلق البشرية كلها.