جرت العادة في أغلب أعمدة الرأي والمقالة وكذلك الدراسات البحثية والنقدية أن ترتبط الحداثة الشعرية في السعودية سواء من حيث الدلالة التاريخية والفنية أو من حيث البيئة وجودة النص وقوته بالقصائد الفصحى، ولنا في ذلك باب وجواب والحديث يطول في هذا المجال وله رواده وأعلامه المتفق عليهم، لكن فضلت هذه المرة وعلى غير العادة أن أطرق جانب الحداثة السعودية وبشكل موجز من جانبها العامي أو الشعبي إن صح القول من خلال شاعرين قدما تجربة نوعية وثرية بطريقة مختلفة ومغايرة عن السائد والمعروف بحسب تقاليد الزمان والمكان وأعراف النص الشعري وضروراته وأحكامه في ذلك الوقت، انطلاقاً من المجدد الشعري مطلق بن حميد الثبيتي و مروراً بذائقة وتجربة حجاب بن نحيت وهما رائدان وحداثيان بارزان، فرض تمردهما على ناموس الشعر وأحكامه شكلاً محدثاً وصارا مضرب المثل فيما بعد. 

والريادة عموماً تعني اختراق الأفق واكتشاف طرق جديدة وأساليب مبتكرة والتأسيس لمرحلة جمالية مختلفة كلياً رغماً عن كل القوالب والسياقات والأصول الثابتة التي لا يمكن تجاوزها في تعاليم بعض الأجناس الفنية عموماً ومنها الشعر على وجه الخصوص.

فالشاعر مطلق الثبيتي واصل دراساته العليا وابتعث إلى بريطانيا وحصل على شهادة الماجستير من جامعة مانشستر وكانت رسالته بعنوان التجديد والتقليد في الشعر الحجازي المعاصر، وأحدث نقلة كبيرة في فن المحاورة هو شاعر بالفطرة وكان لتخصصه ودراسته أثر واضح من حيث المعنى والبحر فطرق موضوعاته من خلال دفن المعنى أو ما يسمى بالرمز الفني وابتعد كلياً عن السائد من المعاني في ذلك الوقت، تحديدًا ما ينحصر حول القبيلة والجانب الشخصي وتأثر بتجربته آخرون، وهو بالمناسبة مبتكر شعري خطير ومجدد بكل ما تعنيه الكلمة في ساحات المحاورة، مع تأثره الواضح بالأدب العربي والشعر الفصيح سواء عن طريق الاقتباس أو نظم الأبيات والمتون وتوارد الأفكار في بناء البيت والمعنى إلى جانب محافظته الأصيلة على ألفاظ بيئته البدوية التي انتظم عليها شعراء هذا الفن كألفاظ البعير، البارود، الضلع والسيل وغيرها.

ويتقاطع معه في قضية التجديد أو التحديث الشاعر حجاب بن نحيت، الذي امتاز بتوظيف المفردة السهلة في زمن الجزالة وهي مفردته السهلة قوية المعنى في نفس الوقت، ومن المعروف ذوقياً وفنياً أن المفردة الجزلة، جزلة في وقتها ومكانها فقط لا غير، بمعنى أن لها تاريخاً زمنياً معيناً وتنتهي، فكان ابن نحيت دائماً يباشر موضوعات التفاؤل الأمل بانسيابية عالية والحياة والإيجابية وهي موضوعات مختلفة غير موجودة في ذلك الوقت بأسلوب سهل ورشيق، لذلك اخترق الحدود وطاف شعره الأرجاء والأزمان إلى وقتنا حتى أصبح جزءًا من الذاكرة السعودية بروحه الشعرية الرائعة ونزعته الفنية المتجددة التي شكلت قالب القصيدة النبطية من حيث المفردة والأسلوب الحديث والألحان المبتكرة التي كانت نواةً للفن الشعبي السعودي الذي انطلق بهيئته الجديدة مع بدايات حجاب بن نحيت ورفيق دربه الشاعر الكبير خلف بن هذال.

مطلق الثبيتي
حجاب بن نحيت