لعل أهم قرارين في حياة الإنسان، رجلاً كان أم امرأة، هما: قرار الزواج وقرار العمل..

فأحسن وأسوأ حظ الإنسان هو شريك حياته، لأن راحته وسعادته تتوقف، بعد توفيق الله، على شريك حياته، فمن لا يجد السعادة في بيته فلن يجدها في مكان آخر، والمسألة لا تُترك للحظ، بل لاستخارة الله عز وجل ثم لوجود الحب الصادق الذي يشترك في تكوينه القلب والعقل قبل المصالح..

أما قرار العمل فيتوقف في الغالب على الميول الراسخة لدى الإنسان والتي بموجبها يختار نوع الدراسة عن بصيرة ثم يعمل في تخصصه الذي يحبه ويُشغف به، هنا نجد أن [الحب] هو القاسم المشترك الأعظم في تحقيق سعادة الإنسان بإذن الله. (السعادة أن تكون زوجتك حبيبتك وعملك هوايتك) والذي يصون هذه السعادة ويجلوها ويمنع عنها الملل والزوال هو شكر الله عز وجل دومًا، فشكر الله سبحانه وتعالى هو أسهل وأجمل وصفة للسعادة، وهو فوق ذلك عبادة..

وقد نتحدث مستقبلًا عن السعادة في العمل، نركز الآن على الحب الذي هو ركيزة السعادة في الزواج والعمل.. فهناك حب حقيقي صادق دائم وهناك حب كالسراب قد يغري صاحبه باتخاذ القرار ثم لا يعرف أن حبه سراب إلا بعد فوات الأوان.. ولعل معرفة النفس عن استبصار وتجرد هي الفيصل في ذلك

هنالك قول مشهور هو (حبك الأول هو حبك الأخير) وهو قول قابل للتفسير حسب تجارب الناس مع الحب، هناك من يعني به أن الحب الأول هو الذي يدوم ويبقى في القلب أبد الآبدين، وهناك من يفسره بأنّ آخر حب هو الحب الصحيح ولو كنت في السبعين، وللناس فيما يعشقون مذاهب، وأحيانًا مذابح كما في العشق قديمًا والذي يمثله مجنون ليلى الذي يقول:

تَعَلَّقتُ لَيلى وَهيَ غِرٌّ صَغيرَةٌ

لَم يَبدُ لِلأَترابِ مِن ثَديِها حَجمُ

صَغيرَينِ نَرعى البَهمَ يا لَيتَ أَنَّنا

إِلى اليَومِ لَم نَكبَر وَلَم تَكبَرِ البَهمُ

ومن الشعر الحجازي الشعبي لأمين عبدالمجيد، وترنم به طلال مداح رحمه الله:

عرفتك وإحنا لسا صغار .. ولســــا في ذمة الأقدار

وفي الحارة مع الجـيران .. كبرنا وانتي برضو كمان

ولمن أمي ترســلني..

لامك أجري واستني

وانتي تفرحي بـيـــــــه ..

عيونك هايمة في عينيه وبعد الجري يا فرحـــة ..

لبستي القنعة والطرحة

ومن طاقة مبيت أمي.

اغني وأنتي بتغـــني وقالوا الواد عريس ولهان..

وانتِ ســــــت بيت تنصان وصرتي دنيتي وحـــبي ..

وقلتي إنت نور قــــلبي

وجبنا ميمي وجميـلــــة ..

وعشنا في جنة وخميلة أخاصمك تصفحي عنــي ..

تخاصمي أنسى و استنى

شريتك واحنا لسا صغار..

تبيعي لما صرنا كـــــــبار نســــــيتي ميمي وجميلة ..

و عيشة فجنة وخميلة أخاصمك تصفحي عنـي ..

تخاصمي أنسى واستنى

وينتصر للحب الأول شاعر كبير شهير هو أبو تمام في قوله الذي رددته الأجيال:

نقّلْ فؤادك حيث شئت من الهوى

ما الحُبُّ إِلّا لِلحَبيبِ الأَوَّلِ

كَم مَنزِلٍ في الأَرضِ يَألَفُهُ الفَتى

وَحَنينُهُ أَبَداً لِأَوَّلِ مَنزِلِ

ارغبْ عن الحب القديم الأول وعليك بالمستأنف المستقبل

ويروي العلامة الفقيه الأديب صاحب الثقافة الواسعة والتجارب الطويلة والمؤلفات الذائعة (ابن حزم الظاهري) في كتابه الشهير (طوق الحمامة في الإلف والإلاف) أنه أحب في مراهقته جارية له شقراء الشعر ثم ماتت، فلم يحب بعدها إلا من فيها شبهٌ منها وخاصة في الشعر الأشقر، فهو لا يحب أي امرأة ذات شعر أسود ولو كانت قمر أربعة عشر، فالحب الأول، يقول، استقر في قلبه وملك لبه وقصر خياله على أشباه محبوبة الطفولة والمراهقة أو كما قال رحمه الله..

ويرى أنصار الحب الأول أنه يصادف قلبًا خاليًا فيتمكن منه:

أتاني هَواها قبلَ أَنْ أَعْرِفَ الهَوَى

فصادَفَ قَلْباً خَالياً فَتَمَكّنَا

كما يقول (ديك الجن) صاحب الاسم الغريب والحب العجيب حيث أحب زوجته منذ الصغر ثم شك أنها خانته فقتلها ثم اتضحت له براءتها فظل طول عمره نادمًا يبكي عليها وينوح:

يا طَلْعَةً طَلَعَ الحِمَامُ عَلَيها

وجَنَى لَها ثَمَرَ الرَّدَى بِيَدَيْها

رَوّيْتُ مِنْ دَمِها الثّرى ولَطَالَما

رَوَّى الهَوَى شَفَتَيَّ مِنْ شَفَتيْها

قَدْ باتَ سَيْفي في مَجَالِ وِشَاحِها

ومَدَامِعِي تَجْرِي على خَدَّيْها

فَوَحَقِّ نَعْلَيْها وما وَطِىءَ الحَصَى

شَيءٌ أَعَزُّ عَلَيَّ مِنْ نَعْلَيْها

ما كانَ قَتْليِها لأَنِّي لَمْ أَكُنْ

أَبكي إذا سَقَطَ الذُّبَابُ عَلَيْها

لكنْ ضَنَنْتُ على العيونِ بِحُسْنِها

وأَنِفْتُ مِنْ نَظَرِ الحَسُود إِليها

ويرى محمود درويش أن الحب الأخير لا يقتل الأول لكنه يدفنه حيّا..

ويبدو أن المرأة أكثر وفاء لحبها الأول فهي تحضنه في قلبها كطفلها وتُسقي شجرته بدموعها حتى تظل خضراء..

وهناك من يرى أن الحب الأول مجرد نزوة وأنه غير واعٍ ولا ناضج ويدعو للتأني في الزواج المبكر من أول حب فمن تزوج على عجَل ندم على مهل.. ويرى هؤلاء أن الحب الحقيقي ما اشترك في تكوينه القلب والعقل وهذا ما لا يتوفر في أول حب لأن الحب الأول يتم عادةً في مرحلة المراهقة حيث تستعر الرغبة ويختفي العقل خاصةً لدى صغار الفتيات، فالفتاة إذا أحبت في مراهقتها رفضت من يتقدم لها من صالح الرجال وأصرت أحيانًا على الزواج ممن أحبته صغيرة ولو كان فاشلًا غير صالح، وعاندت أهلها، ونرى أن (نعم) من حق البنت وحدها و(لا)من حق أهلها الذين هم أخبر بمعادن الرجال، فإذا اتفق الجميع على (نعم) فهذا المراد..

أقـول بنسـى واحـسـب انــي نسيـتـه الحـب الاول صعـب نسيـان راعيـه

ويقول الشاعر منكرًا أن الحب الأول هو الصادق:

كذب الذين تحدثوا عن الهوى

لا شك فيه للحبيب الأول

ما لي أحن إلى خراب مقفر

درست معالمه كأن لم يوهل

ارغب عن الحب القديم الأول

وعليك بالمستأنف المستقبل

نقل فؤادك حيث شئت فلن ترى

كهوى جديد أو كوصل مقبلِ

وأخيراً يقول حمدان المري

اقـول بنسـى واحـسـب انــي نسيـتـه

الحـب الاول صعـب نسيـان راعيـه

عانـيـت فــي بـعـده كـثـر ماهـويـتـه

لااحتلـت فـي قربـه ولانــي بناسـيـه

لــو انــي اقــدر جيـتـه كــان جيـتـه

اللـي بقولـه آآآه ويـلـي عـلـى أجـيـه

بـس البـلا انــي كــل ماجـيـت بيـتـه

آخـذ ثـلاث ايـام مـدري ش/انـا فيـه

لـيـل ونـهـار ولـيــل والـلــي قفـيـتـه

وانـا مابيـن اسمـه ورقمـه وطـاريـه

من لا يجد السعادة في بيته لا يجدها في غيره