كان كارستن نيبوري أحد أعضاء البعثة الدانمركية المكونة من مجموعة علماء أرسلوا من قبل ملك الدنمرك فردريك الخامس عام 1762م، لاكتشاف جزيرة العرب وتقديم تقرير علمي واجتماعي مفصل عن عدد من الدول العربية في الجزيرة العربية وشمال إفريقيا، فكان كارستن نيبوري هو الناجي الوحيد من البعثة بعد هلاك كل الأعضاء في اليمن، وقبل استكمال الرحلة، ورغم كل ما حدث واصل رحلته ووثقها في كتابه، ووصف أقاليم جزيرة العرب، ومن ضمن ما تحدث عنه نيبوري، وهو عالم خرائط ومساحة، ريحاً مسمومة نادرة الحدوث تهب على جزيرة العرب وشمال إفريقيا تقتل الإنسان والحيوان، وبدأ كلامه عن هذه الريح، متحدثاً عن أشهر الصيف الأخيرة التي يمتنع الناس فيها عن الخروج بين الحادية عشر والثالثة ظهراً إلا في حال الضرورة، ويستغلون هذه الساعات للنوم في سراديب يدخلها الهواء من الأعلى بواسطة أنبوب لتحريك الهواء، كما في بغداد وفي جزيرة الشارقة، وربما في بلاد أخرى، ويقوم البعض برش المياه في الطرقات لترطيب الجو، إذ يطلق العرب على هذه الفترة الشديدة الحرارة اسم السموم، كما يسميها الأوربيون كانيكول أي (حمارة القيظ)، ويسميها المصريون «الخمسين». في هذه الفترة يعطي بعض الأمثال النادرة التي تجري في البصرة، كأن يلفظ بعض الأشخاص أنفاسهم الأخيرة وحتى البغال بسبب الحرارة، وهم على الطريق المؤدية إلى الزبير في الصحراء ما بين البصرة وبغداد وحلب ومكة، وقال نسمع أيضاً بريح مسمومة تسمى السم والسموم والشمال وذلك وفقاً للهجات العرب، إلا أن هذه الريح تبقى مجهولة في بعض المناطق في بلاد فارس والهند وإسبانيا، ويخشى منها في أيام الحر الشديد في الصيف، وثمة تأكيد على أنها تهب من ناحية الصحراء الكبرى، فالسموم تصل إلى مكة من الشرق، وإلى بغداد من الغرب، وإلى البصرة من الشمال الغربي، وإلى سورات من الشمال، ولست أدري كما قال: إذا ما كان الناس يقصدون بهذه الريح، الريح المميتة فقط أم كل الرياح المحرقة.

إن أشد الرياح التي تهب في القاهرة سخونة هي التي تمر فوق صحراء ليبيا، وتأتي بالتالي من الجنوب الغربي، ولأن عرب الصحراء معتادون حسب تأكيده على الهواء النقي، يقال: إن بعضهم يتمتع بحاسة شم مرهفة تخوله التعرف إلى السموم من رائحة الكبريت التي تنبعث منها، ومن علامات هذه الريح أيضاً أن هواء المكان الذي تنبعث منه يصبح أحمر اللون، ولأن الرياح السطحية تفقد قوتها كلما اقتربت من الأرض، ربما لأن التلال والصخور والغابات تقف عائقا في وجهها، يلجأ العرب إلى النوم على بطونهم عندما يرون السموم قادمة من بعيد. كما يقولون إن الطبيعة تعلم الحيوانات إخفاء رؤوسهم عندما تشعر بها تقترب، لقد فاجأت هذه الريح مرة أحد خدم نيبوري كما يقول وهو يتجه مع قافلة من البصرة إلى حلب، فصرخت العرب طالبة من الناس الانبطاح على الأرض، ولم يهلك أي من الذين اتبعوا هذه التعليمات، أما الآخرون الذين استخفوا بالريح فهلكوا جميعاً ومن بينهم جراح فرنسي أراد أن يعيش هذه التجربة، علماً أن سنوات طوالاً كما قال قد تمر من دون أن تهب ريح السموم هذه بين البصرة وحلب، ووفقاً لكلام العرب كما نقل له فإن الناس يختنقون وكذلك الحيوانات بفعل هذه الريح، ولها عليهم نفس تأثير الريح الحارة العادية التي ذكرت آنفاً.

أحياناً، وبينما تخيم حرارة شديدة على الأجواء، يقول تيبوري يهب هواء أكثر حرارة على الناس والحيوانات الذين أضعفهم الحر فيموتون اختناقاً، وعندما يموت أحد الأشخاص مختنقاً بفعل هذه الريح، تتدفق الدماء من أنفه وأذنيه بغزارة بعد مرور ساعتين على اختناقه، وتحفظ الجثة الحرارة مطولاً فتنتفخ وتصبح زرقاء ثم خضراء، وإذا حاول أحد أن يرفعها من ذراعها أو من رجلها تنفصل عنها هذه الذراع أو الرجل، وتجدر الإشارة إلى أن الأشخاص الذين لا تظهر عليهم كثيراً أمارات التعب هم الأقل تعرضاً لخطورة هذه الريح من الآخرين، فمن قافلة كبيرة، لم يمت إلا أربعة أو خمسة أشخاص في الحال، بينما نازع آخرون لبضع ساعات قبل أن يموتوا، فيما استعاد الباقون عافيتهم بعد أن تناولوا مرطبات كانت العرب تحملها في أسفارهم ومنها الثوم والزبيب.

رش المياه في الطرقات لترطيب الجو
الاستلقاء عند رؤية السموم مقبلة
رياح السموم