أحكي لكم اليوم عن قرية صغيرة لا يعرف أحد اليوم اسمها، تدعى أُريضة، مثل كل أهل الماضي عشقت القرية الشائعات والأقاويل، وما أن يظهر نصف خبر حتى يُتناقَل بشراهة وشراسة، وكان هناك مجموعة من العجائز اللاتي يجتمعن في بيوت بعضهن كل يوم ويَحِكْن الملابس ويغزلن النسيج، وفي جلساتهن المطولة تلك والتي تبدأ من الفجر إلى العصر لا شيء يقطع الوقت مثل الكلام، والذي رغم أنه يأتي فيه كلام نافع أحيانا إلا أن أغلبه يتناول الناس، وما بقي أحد من أهل أُريضة إلا وقد أتى على ألسنتهن، ولذلك صارت القرية تهتم بكلامهن، فإذا رجعت إحداهن إلى بيتها عصرا اجتمع حولها بناتها وأهلها بفضول وتشوق بالغ والكل يسألها عما سمعت من صديقاتها -خاصة امرأة اسمها تمّامة وأخرى اسمها فُضيلة- ويتلقون كل حرف بلذة مهووسة، حتى إن أشغالهم اليومية تأثرت!

في عصرنا اختفت مثل هذه الظواهر والفضل للعلم والتقنية العظيمة التي جعلتنا مختلفين تماما عن أهل الماضي وأذكى منهم بمراحل، وابتعدنا عن بؤر الشائعات والأقاول العجائزية هذه، فظهرت السيارة والطائرة والانترنت، كم نحن أصحاب عقول علمية ذكية، ليس لدينا تمّامة وفضيلة.. إلخ ينشرن الشائعات والأقاويل التي تشغل وقتنا وبالنا، فالتعليم منتشر، والكتب في كل مكان، والجوال وحده يعمل من التقنيات العجيبة ما هو أعظم من كل علوم الأرض (أريضة)، مثل تويتر (تمامة)، وفيسبوك (فضيلة)، والتي شغلتنا بالقيل والقال والتفاهات والخلافات والأكاذيب، لا والله يا أهل الماضي، لسنا نختلف عنكم، ما تزال أكاذيب وشائعات وأخطاء وأدران السوشل ميديا تلوث أفكارنا وتشغل وقتنا وبالنا وأعصابنا، بل ربما نحن أسوأ حالاً منكم!