ربما يمكن اعتبار ما حصل "وسيحصل" في أفغانستان اليوم على أنه ثمرة من ثمار الفراغ في القيادة "الأخلاقيّة" الدوليّة. صحيح أن الأخلاق في السياسة نسبيّة ولكن معظم ما يجري من محفّزات الصراع في مناطق العالم (الإسلامي تحديداً) شعارها أخلاقي حقوقي في الغالب ولكن نتائجها دماء ودمار. ومصدر الإشكال هنا أن غالب هذه الصراعات تغذيها مصالح الدول الكبرى ومن يدور في فلكها بشعارات الحقوق الكبرى مثل العدالة والحريّة والمساواة.

وعلى الرغم من أن منظّري العلاقات الدوليّة الكلاسيكيين اتفقوا إلى حد بعيد –حَسَبَ باحثين أميركيين- على أن الرأي العام "الأميركي" يتشكّل حول السياسة الخارجيّة من طريق المشاعر الأخلاقيّة، إلا أن علماء الرأي العام لم يستكشفوا بعد طبيعة محتوى وقوّة هذه القيم الأخلاقيّة. وربما يعود هذا التشويش في جزء منه إلى أن منظري العلاقات الدوليّة الأميركيين يميلون إلى ربط الأخلاق بالمثاليّة الليبراليّة حصريًا. ولكن هذا الربط سرعان ما يتكشّف في تطبيقات السياسة الخارجيّة حيث تنحسر الأخلاق على حساب المصالح وتبقى الليبراليّة المثاليّة جُملاً برّاقة في خطابات السياسيين. ومما يفسر هذا عند الباحثين الواقعيين النظرة إلى الأخلاق والسلطة على أنهما متضادان، حيث ترتكز الأخلاق على "الإيثار" والالتزام بالصالح العام (الأخلاقي)، في حين أن القوّة (بكل أشكالها) تدور حول "الأثرة" والمصلحة الذاتيّة (الفرد السياسي/ والدولة).

ويجادل من يتبنّى هذا التوصيف بجوانب من عقيدة "بوش الابن" وخليفته "أوباما" إذ على الرغم من الاختلافات العديدة بينهما، ولكن عندما تحدث باراك أوباما عن العالم الإسلامي، فإن كلماته "الأخلاقيّة" تشبه بشكل ملحوظ كلمات سلفه جورج بوش (قارن خطاب سبتمبر 2006 الذي ألقاه الرئيس بوش أمام الأمم المتحدة بخطاب الرئيس أوباما في القاهرة في يونيو 2009). هنا كلا الرئيسين تحدثا عن أهميّة حقوق الإنسان وتقرير المصير والديمقراطيّة في الدول الإسلاميّة. وقال كلاهما إن أميركا ستحترم تاريخ وتقاليد العالم الإسلامي وكلاهما جادل بأن أميركا ليست في حالة حرب مع الإسلام. ولكن استقبال "عامة" المسلمين للخطابين والتوجه اختلف حيث قوبل "أوباما" بشكل أقل سخطاً من "بوش" والسبب أن القيم الأخلاقيّة في منهج الرئيسين وُظِّفت بشكل مختلف. إذ إن بوش أعلنها حرباً شعواء مباشرة على أفغانستان والعراق في حين أن أوباما أشعلها حرباً غير مباشرة من داخل تناقضات المجتمع الإسلامي باسم "الربيع العربي".

إذا فالقوّة" الأخلاقيّة" في عالم اليوم تؤدي وظيفتها "اللاأخلاقيّة" جنباً إلى جنب مع مصادر القوّة الأخرى وهو ما ستكشفه الأيام في صراع "النسر الأميركي" العجوز مع "التنّين الصيني" المتوثّب.

  • قال ومضى:

لا أعرف الحقيقة؛ ولكني لا أملّ من طرق أبوابها..