العربية الفصحى تمر اليوم بمرحلة حرجة ازدحمت عليها لغات الأرض بمدها الصناعي واستخداماتها العلمية الهائلة، والمرحلة مرحلة تحدٍ فكري وحضاري ولابد لأبناء العربية من مواجهته بوعي وصلابة من التمسك بالمبدأ لكسب الجولة ولن يكون ذلك إلا بالتغاضي عن الشرائح اللهجية التي لا ننكر وجودها في العالم العربي اليوم..

في عام 1986م أدرنا في مجلة المبتعث بواشنطن حوارًا أدبيًا مع الشاعر أحمد يحيى بهكلي والذي كان حينها طالبًا مبتعثًا يدرس الدكتوراه في جامعة أنديانا.. وكان الحوار مع الشاعر أحمد ممتعًا ومثيرًا فقد كانت له آراء حاسمة في أشياء كثيرة.

فأول السمات التي يتميز بها أحمد النشاط الكبير والحيوية المستمرة.. فبالإضافة الى ذلك فقد كان ناقداً متأملاً يمتلك المقدرة على الإبانة عن آرائه بشيء من الفن وعدم إيثار الكسل اللفظي.

جاء أحمد إلى الولايات المتحدة عام 1982م مبتعثًا من جامعة الملك سعود وأنهى درجة الماجستير في قسم دراسات الشرق الأوسط في جامعة أنديانا ودرس الدكتوراه في نفس الجامعة، ليس لهذه الأسباب تحاورنا مع أحمد البهكلي ولكن لأنه من الشخصيات النشطة على مسرح الأدب والشعر والنقد الأدبي يقول متحدثاً عن نفسه:

لقد ساعدني تواجدي في الرياض بين عامي 1383هـ و1387هـ على الارتباط المبكر بالكتاب ووسائل النشر الأخرى حيث كان والدي -طالب الجامعة حينذاك- يرتاد بي المكتبات باستمرار. كما أن لأخي الأكبر الشاعر محمد بن علي البهكلي أثر، لا أغفله في تعريفي على النتاجات الأدبية في مرحلة مبكرة من العمر وأتذكر أن أوائل الكتب التي قرأتها في الصبا بعض روایات المنفلوطي وبعض مسرحيات على أحمد باكثير.

وعندما انتقلت إلى أبها شعرت أنني أريد أن أقول شيئاً وكان ذلك على شكل أبیات متناثرة في البداية ساهم في تحسينها حرصي على قراءة كتب التراث ودواوين الشعر العربي الأصيل قديمها وحديثها بالإضافة إلى مترجمات الآداب الأخرى.

وقد اتسعت الدائرة عندما التحقت بالجامعة حيث المرتع الخصب والريادة الفكرية التي أفدت منها الكثير.

في هذا التقاطع من رحلة رصدنا لتجربة أحمد البهكلي يقف بنا على الموقف النقدي من الفنون الأدبية واللغة والحداثة الأدبية قائلاً: يصعب البت بحكم عام قاطع على أدبنا المحلي لتفاوت الدرجات التي وصلت إليها مختلف الأشكال الأدبية المعروفة لكننا بشيء من التفصيل نستطيع أن نتلمس ما وصل اليه كل نوع أدبي ممارس في ساحتنا.

ففي الشعر -وهو الفن الأكثر استقطابًا- تضطرب تيارات شكلية متعددة من الشكل البيتي المألوف إلى ما يسمى بالقصيدة النثرية مرورًا بالشعر الحر.

كما تضطرب مضامين شتى في النتاجات المعاصرة ابتداء من الالتزام بالفكر الأصيل وانتهاء بتبني أفكار من الشرق أو الغرب لا صلة لنا بها حضارياً أو تاريخياً مرورًا بالفراغ الفكري الذي يتجلى في بعض النتاجات.

وفي القصة تتقاطع خطوط كثيرة -لجدة هذا الفن على أدبنا- يلتقي معظمها في نقطة (التبني).. ولا مسرح لدينا.. ولا رواية من داخل الحدود تمثلنا.

ومشكلة اللغة في أدبنا المحلي قائمة، ولا زلنا نجد النص التقريري المباشر كما نجد النص الغامض المستغلق ويعاني أكثر الشعراء والكتاب الطافين على الساحة المحلية اليوم من ضعف لغوي من الناحية التركيبية النحوية ومن الناحية اللفظية المعجمية، وذلك يعود في نظري الى استعجال النشر قبل تكامل الأوقات وقبل تنقيح الإنتاج إضافة الى قلة الإمام بالتراث والأساليب الأدبية.

وكيلا أقع في التعميم فإن هناك شعراء وقاصين وكتابًا يكتبون بلغة صحيحة وأسلوب رائع.

إنني أميل إلى أن يتميز كل شيء بما يخصه حتى لا تختلط الأمور ونحن العرب عندنا الشعر والنثر ونعرف أن للشعر مقاييس معينة تعارف عليها العرب وشعراؤهم منذ أكثر من 1500 سنة أنتجوا خلالها روائع ينظر إليها العالم بإعجاب شديد.

إلا أن العربية الفصحى تمر اليوم بمرحلة حرجة ازدحمت عليها لغات الأرض بمدها الصناعي واستخداماتها العلمية الهائلة، والمرحلة مرحلة تحدٍ فكري وحضاري ولابد لأبناء العربية من مواجهته بوعي وصلابة من التمسك بالمبدأ لكسب الجولة ولن يكون ذلك إلا بالتغاضي عن الشرائح اللهجية التي لا ننكر وجودها في العالم العربي اليوم.

وإن أبرز وجه لذلك التغاضي هو إيقاف نشر أي نتاج خام، بغير العربية الفصحى عبر أي منبر إعلامي. وأستثني بقولي النتاج الخام، تلك الدراسات الأدبية التي تحلل عملًا لهجيًا قديماً استخلاصًا لعبرة أو تعرفاً على حدث لم يتحدث عنه سوى ذلك العمل. وتكون هذه الدراسات بالفصحى مع إیراد الشواهد كما هي بالطبع.

إني أقدر الشاعر العامي على سبيل المثال لمشاعره التي أفصح عنها حسب قدرته اللغوية في قالب لهجي، وقد اهتز طربًا لصوره ومعانيه ولكنني لا أريد أن أجعل عمله هذا نمطاً يحتذيه شخص متعلم أغرته سهولة البروز في المجال العامي أن ينسى تعليمه ويتراوح في هذا الإطار الضيق جدًا (اللهجة المحلية).

أما الحداثة فإنه يحسن أن أبين باختصار مفهوم لفظة (الحداثة) التي دخلت إلى العربية كمذهب أدبي في الخمسينات تكاد تجمع دوائر المعارف الغربية والنقاد الذين أرّخوا للحداثة في الغرب على أنها انطلقت بشكل قوي عام 1890 على شكل رفض جماعي للتراث، والتسلط الكنسي، كما تلح على التحول المستمر أو التغيير المتتابع. ولم تكن الطريق ممهدة لرواد الحداثة من أمثال الفرنسي لويس والإيطالي مرينتي والروسي مایاكوفسكي وأصدر البابا عام 1907 منشوراً كنسياً عن الفاتيكان جرم فيه الحداثيين وأمر بحرق نتاجاتهم على اعتبار أنها خروج عن الدين. ولئن انتهت مرحلة عام 1907 فإن مرحلة أخرى بدأت بعد ذلك على أيدي الدادئيين والسرياليين والمستقبليين والكعيبيين..

ولعل ارتباط أدباء لبنان تحديدًا بأوروبا وخصوصًا بالإيطاليين والفرنسيين والأمريكان قد أوجد مناخاً ملائماً للتيار الجديد القديم أن ينطلق إلى العالم العربي من بيروت خصوصاً بعد إصدار مجلة شعر عام 1956م بمعونة المنظمة العالمية لحرية الثقافة التي تتخذ من نيويورك مقراً لها وتساهم في تمويلها مؤسسات استعمارية واضحة الأهداف. وكان أهم ما أغرقت مجلة (شعر) قراءها فيه ذلك الزخم الكبير من الشعر الأوروبي والروسي والأمریكي بغض النظر عن الفلسفات التي تحملها تلك النتاجات.

من هنا انطلقت مجلة (شعر) تغذي فكرة الرفض والهدم مؤكدة أن التراث العربي الإسلامي بالضرورة إنما هو ضد التقدم والتجديد ودعوا إلى نبذه.

ولقد فطن بعض كبار أدباء العرب وشعرائهم كالسياب ونازك الملائكة وسلمي الخضراء الجيوسي إلى نوايا القائمين على هذه المجلة فانسحبوا منها وهاجموها في مقالات عديدة. فما فتئت أن اضمحلت ثم تلاشت.

لهذا، إذا أردنا التعامل مع الحداثة بمفهومها الأصلي في الغرب أو كما نقلت على صفحات مجلة شعر فعلينا أن نكون حذرين. أما إذا قصدنا بالحداثة الجدة والإبداع الفكري والأسلوبي الذي لا يتصادم مع قيمنا وأساليبنا الفكرية والفنية فذلك مما لا غناء لنا عنه.

الحديث مع الدكتور أحمد كان طويلاً وممتعاً ولكن لا نستطيع في هذه المساحة المحدودة أن نعرضه كله.

ولهذا الرجل والإنسان ليس عندنا غير كلمة وداع ودعاء صادق.. رحمك الله يا أحمد.