إنّ الحكومات الغربية التي ترفع شعار حقوق الإنسان وتروّج له، اتخذته ذريعة للتدخل في شؤون الدول الأخرى، مهما صغر شأن القضية التي تتعالى أصواتهم بسببها ويرونها خرقًا لحقوق الإنسان، لكنهم في المقابل لا يحترمون هذه الحقوق ولا يطبقونها في بلدانهم..

انتشرت منذ أيام على مواقع التواصل الاجتماعي صور للانتهاكات التي كان يرتكبها الرجل الأبيض ضد المستضعفين من المهاجرين، ومن رعايا الدول التي استعمروها، صور يندى لها جبين الإنسانية خجلًا، وتعدّ من أشهر صور الاستعباد الذي مورس على البشر، فقد نشرت صحيفة بريطانية في القرن التاسع عشر صورة طفل إفريقي مربوط إلى شجرة لاستخدامه طعمًا لصيد تمساح، ونشرت صحيفة أخرى سنة 1930 صورة سيدة بنغالية تحمل سيدها البريطاني الذي تربع بكل زهو فوق كرسي تحمله على ظهرها، كما انتشرت صورة رجل أميركي في العام 1886 تجسد وضع الأفارقة في أميركا، وقد اتخذ من طفل إفريقي مقعدًا يجلس عليه، وتتكرر الصورة نفسها في إحدى المستعمرات البريطانية بين العام 1910 -1920 حيث جلس رجل بريطاني على ظهر رجل يبدو أنه إفريقي، وفي بلجيكا عام 1958 عرضت طفلة إفريقية كحيوان في حديقة الحيوان!

تفوّق البيض أو استعلاؤهم هو فكر عنصري مبني على الاعتقاد أن الأفراد ذوي العِرق والأصل الأبيض - يستخدم مصطلح العرق الأبيض للإشارة إلى البشر الذين يتميزون بألوان البشرة الفاتحة وينحدرون من أصول أوروبية - هم أسياد كل البشر من الأعراق الأخرى، ويطلق هذا المفهوم أحيانًا لوصف توجهات سياسية غربية تشجع على سيطرة البِيض على النواحي الاجتماعية، والسياسية، والتاريخية، والصناعية على دول العالم، هذا المعتقد ما هو إلا جزء من مفهوم (الاستعلاء العِرقي) الطامح إلى الهيمنة، وقد أدّى هذا المفهوم إلى كثير من الاعتداءات والعنف ضد مجموعات من البشر الملونين، منذ سنوات طويلة.

ومن أمثلة ما يؤكد استمرار هذا الشعور الاستعلائي على الآخرين بدءاً مما جسدته نماذج الصور التي استهللتُ بها المقال إلى ما يحدث اليوم من ممارسات وأساليب دول الغرب ضد الآخر في دول العالم - وهو نوع آخر من صور الاستعباد - قول وزير الخارجية الأميركي السابق كولن باول بعد أحداث 11 سبتمبر: "نحن الآن القوة الأعظم، نحن الآن اللاعب الرئيس على المسرح الدولي، وكل ما يجب علينا أن نفكر به الآن هو مسؤوليتنا عن العالم بأسره، ومصالحنا التي تشمل العالم كلَّه"! بل إن ممارسات الرئيس أوباما ضد الدول العربية، تؤكد هذه الحقيقة، فقد أشار أقرب مستشاريه السيد بين رودس إلى موقفه تجاه (الجنس) العربي في كتابه (العالم كما هو The World As It Is)، وهو قوله: (أوباما يكره العرب بشكل غريب ويعشق إيران حدّ العمى)! وقد انعكس هذا الموقف العنصري على قراراته التي تمخضت عن نتائج كارثية على المنطقة، ولا ننسى قول المتحدث باسم البيت الأبيض أثناء حرب الخليج : "جئنا نصحح الخطأ الذي جعل البترول في أرض العرب"!! تعالى الله علوًا كبيرًا.

إن معظم الغربيين؛ ساسة وأحزابًا وإعلاميين قابلون للشراء، فهناك دول ومؤسسات وجماعات ضغط تنفق أموالًا طائلة في مجال العلاقات العامة ومكاتب محاماة لشراء الذمم، ولتلميع صورة دول بعينها لدى دول الغرب، لذا هم لا يبالون بانتهاكات حقوق الإنسان في بعض دول الشرق الأوسط، فبريق الأموال يعمي القلوب والبصائر.

لقد شكّل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في العام 1948، أول وثيقة قانونية تحدد حقوق الإنسان الأساس التي يجب حمايتها عالميًا، وتوفر مواده الثلاثون مبادئ اتفاقيات ومعاهدات حقوق الإنسان الحالية والمستقبلية وغيرها من الصكوك القانونية الأخرى، وهي حقوق يتمتّع بها جميع البشر مهما كانت جنسيتهم، أو نوعهم الاجتماعي، أو أصلهم الوطني أو العرقي أو لونهم، أو دينهم، أو لغتهم، وتجعل الحياة جديرة بأن تُعاش، مثل الحق في الغذاء والتعليم والعمل والصحة والحرية، على أن الحق الأكثر أهمية هو الحقّ في الحياة، ذلك الحق الذي ينتهك بعلم دول الغرب لكنها لا تحرك ساكنًا.

ففي هذا السياق أوردت صحيفة إيلاف قول كاتب أميركي من أصل إيراني، مجيد رفيع زادة، "أنه بينما تمضي إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن والاتحاد الأوروبي قدمًا في إحياء الاتفاق النووي مع إيران؛ فإنهما يغضان الطرف عن الانتهاكات المقلقة والمتزايدة لحقوق الإنسان من جانب النظام، وإن انتهاكات حقوق الإنسان التي ترتكبها إيران أصبحت أكثر ترويعًا".

ووفقًا لتقرير صدر مؤخرًا عن منظمة (هيومن رايتس ووتش) فإن إيران هي أحد أبرز منفذي أحكام الإعدام في العالم بحق معارضين وإعلاميين! وفي الوقت الذي تتعامى فيه منظمة العفو عن ذلك، لا تكف عن انتقاد بلادنا بسبب أحكام الإعدام ضد إرهابيين استندت على أحكام شرعية، ويحضرني هنا قول رئيس الحكومة البريطانية السابق توني بلير: "عندما يتعلق الأمر بأمن الدولة لا تحدثني عن حقوق الإنسان"!

بل إن تقارير منظمة العفو الدولية ومنظمة حقوق الإنسان لا تصدر إلا ضد بلادنا والبحرين ومصر وتونس والعراق، في حين توجد دول عربية وخليجية لديها انتهاكات صارخة لحقوق الإنسان مثل التجريد من الجنسية، والتجريد من حقوق المواطنة، ناهيكم عن سجن أعداد كبيرة من المواطنين لمجرد مطالبتهم بحقوقهم، هاتان المنظمتان كغيرهما من الحكومات والمنظمات الدولية والأحزاب ووسائل الإعلام تغمض عيونها عمن سبق أن اشترت صمتهم.

ففي الأيام الماضية حدثت أحداث صارخة لانتهاكات حقوق الإنسان في منطقتنا، وتناولتها معظم وسائل الإعلام العربية، ومواقع التواصل الاجتماعي، لكن أميركا ودول الغرب كافة والمنظمات الدولية ووسائل الإعلام صمتت صمت القبور، فلا إدانة، وحتى وسائل الإعلام الغربية من صحف وقنوات تلفازية أحجمت حتى عن ذكر الأمر كخبر من الأخبار العالمية، ودعونا نتخيل كيف كان سيتناول كل هؤلاء الأمر لو أنه حدث في بلادنا أو البحرين أو دولة الإمارات أو مصر أو تونس؟!

إن الحكومات الغربية التي ترفع شعار حقوق الإنسان وتروّج له، اتخذته ذريعة للتدخل في شؤون الدول الأخرى مهما صغر شأن القضية التي تتعالى أصواتهم بسببها ويرونها خرقًا لحقوق الإنسان، لكنهم في المقابل لا يحترمون هذه الحقوق ولا يطبقونها في بلدانهم مهما عظم شأنها في حال كان المنتهكة حقوقه من الأقليات المستضعفة عندهم.