إنها مبادرات لا تحقق أهدافاً شرعية وإنما تحقق أهداف الديانات الأخرى، أقلها مساواة أديانهم المحرفة بالإسلام وإقرار المسلم بها، لذلك لا تعدو أن تكون هذه الدعوة محاولة للحصول على اعترافات صريحة بتلك الديانات، وأنها تقدم مبرراً لهم لإثنائهم عن الدخول في الإسلام بدعوى أنه لا توجد بين الإسلام وتلك الملل فوارق أساسية..

استكمالًا لقراءتنا العلمية السابقة لكتاب (تأصيل الحوار الديني) للدكتور محمد الفاضل اللافي، والذي تناول فيه مختلف الموضوعات المتعلقة بالدراسات الدينية المقارنة، وكان من بين الموضوعات التي تناولها موضوع (وحدة الأديان)، والتي يرى الدكتور اللافي أن لها جذوراً قديمة تعود إلى الجمعية السياسية الدينية السرية للتقريب بين الأديان السماوية الثلاثة، والتي أسسها كل من: جمال الدين الأفغاني، وميرزا باقر، وبيرزاده، وعارف أبي ترابه، وجمال بك التركي، وبعض المفكرين الإنجليز، إلا أنها لم تكن مشروعاً مؤسسياً بل كانت مجرد محاولة انتهت في حينها.

إلا أنه في عام 1974م تأسس في باريس معهد حوار الحضارات تحت رعاية منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو)، والذي ترأسه المفكر الفرنسي الدكتور روجيه جارودي، وهو معهد أكاديمي يضم في عضويته أصحاب الديانات السماوية الثلاثة، وفي الوقت نفسه مشروع فلسفي يؤسس لقيام تحالف ديني على أساس الأصول الإبراهيمية.

المعهد إحدى نتائج دراسات د. جارودي المطولة حول التقريب بين الملل الثلاثة، والذي أحاله إلى ورشة حوارات وندوات ومؤتمرات وحلقات تقارب وملتقيات تطبيعية وتوافقية، بدأها بندوة حوار الوحدة الإبراهيمية بين اليهود والنصارى والمسلمين، وقد خصصها لتحديد القواسم المشتركة بين الأديان، محاولاً أن يتجنب الخوض في الأطروحات اللاهوتية والعقائدية.

وفي عام 1978م دعا د. جارودي إلى عقد مؤتمر الحوار الدولي بقرطبة، والذي شارك فيه مجموعة من اليهود والنصارى والمسلمين معظمهم "قاديانيين وإسماعيليين"، وقد حظيت دعوة جارودي للتقريب بين الأديان باهتمام واسع من بعض المفكرين الغربيين، إلا أنها واجهت رفضاً ومعارضة وانتقادات كبيرة وواسعة من قبل علماء الأزهر وعلماء العالم الإسلامي المشاركين حينها في المؤتمر الإسلامي في الجزائر.

وفي عام 1982 دخل جارودي الإسلام وغير اسمه إلى رجاء جارودي، إلا أنه واصل كتاباته ودراساته ومحاضراته وندواته ومشاركاته حول التقريب بين الأديان.

ففي عام 1982م شارك في ندوة اليونسكو التي عقدت في باريس بورقة علمية، طرح فيها فكرة إمكانية قراءة التاريخ من وجهة نظر وحدوية تدور فكرتها "على أن إبراهيم والمسيح عليهما السلام ومحمد صلى الله عليه وسلم يكمل بعضهم بعضاً"، هذا التكامل في نظر د. جارودي "عبارة عن حلقات تاريخية، فكل نبي أرسل في مرحلة تاريخية مهد لمن جاء بعده، وانتهت أصول هذه الديانات السماوية إلى الرسالة الكاملة الخاتمة كما جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم، باعتبار أن الإسلام قد اكتمل بنزول القرآن الكريم، وقد سمى الأنبياء كلهم مسلمين".

وكان الدكتور رجاء جارودي قد أكد في أحد مؤلفاته أنه كان يهدف من وراء مشروع التقريب إلى اكتشاف المشترك للقيم التي يمكنها أن تتصدى للقوميات والعصبيات والحزبيات والمذهبيات، وإن كان هذا لا يبدو مسوغاً منطقياً إلا أن ما كان يطرحه د. جارودي في مبتدأ حياته العلمية ليس نتائج نظريات دينية واضحة وإنما كانت نظريات فلسفية نشأت خارج نطاق الدين، وعلى وجه الدقة عن علم الفلسفة وعلم الاجتماع الثقافي والديني، والتي هي في الغالب كانت تمثل منهجه الفكري قبل إسلامه، والتي كانت لا تقوم على أمور علمية ودينية وإنما على أذواق فلسفية لا صلة لها بالعلم والدين.

وربما كان جارودي الوحيد من بين المفكرين الذي وجد الجرأة للإفصاح عن آرائه، والتي أسسها على قناعاته الفلسفية - الدينية، إذ إنها مبادرات لا تحقق أهدافاً شرعية وإنما تحقق أهداف الديانات الأخرى، أقلها مساواة أديانهم المحرفة بالإسلام وإقرار المسلم بها، لذلك لا تعدو أن تكون هذه الدعوة محاولة للحصول على اعترافات صريحة بتلك الديانات، وأنها تقدم مبرراً لهم لإثنائهم عن الدخول في الإسلام بدعوى أنه لا توجد بين الإسلام وتلك الملل فوارق أساسية، وهذا مزلق شديد الخطورة أو هو الخطورة بعينها.

يقول جورج رادنال مؤلف كتاب (تكوين العقل الحديث): لقد اكتشفت الدراسة الدينية الحديثة عن وجود تناقضات واختلافات وأخطاء في التوراة والتلمود والأناجيل، خلطت بين الكلمات الموحاة وأقوال الأنبياء وسيرتهم، وأقوال الأحبار والقساوسة، ومزجتها بالآداب والمعارف السائدة في العصور التي كتبت فيها.. حتى أن مجمع الفاتيكان اضطر لأن يعترف ولو جزئيًا بعد مناقشات دامت ثلاث سنوات بين عامي 1962-1965م بوجود نقص وعجز في بعض نصوص العهد القديم، وهنا يكمن الفرق الأساسي بين الإسلام وبين هاتين الديانتين.

ولذلك فإن جارودي إذا كان متمكناً من فلسفة وثقافة الغرب فإنه كان في حاجة للتكوين الشرعي، وذلك لخلطه في كتاباته ودراساته ما بين الإسلام والفكر الاسلامي، وأخذه بآراء ابن عربي وابن الفارض والسرهرودي والحلاج.

لقد مر د. رجاء جارودي في رحلته نحو الإسلام بعدة مراحل، فقد كان في أول الأمر تابعاً لدعوة وحدة الأديان، ثم تبين له أنها دعوة مناقضة للتوحيد، عند هذا الطور غير من آرائه وأفكاره الدينية والتي نقرؤها في كتابيه الأخيرين (الإسلام يسكن مستقبلنا) و(وعود الإسلام)، لقد كان د. جارودي قبل الإسلام حائراً مضطرب الوجهة، وبعد الإسلام واضح الرؤية، يشعر أنه جزء من أمة.

فالإسلام دين عالمي يسع الناس كافة، يدعو بالحكمة والموعظة الحسنة، ولذلك انتشرت دعوته في الآفاق سلمًا، ففتحت بلاد كثيرة دخل أهلها الاسلام طوعًا، وبعض بقي على دينه مستأمنًا متمتعًا بكامل حقوقه، واعتبروا مواطنين يسعهم ما يسع غيرهم من العدل والأمن في الحقوق والواجبات، إذ لم يعرف في التاريخ الإسلامي إكراه لأصحاب الأديان الأخرى.

ولذلك فإنه لا يمكن الرجوع إلا للتعريف القرآني المعياري الذي حدد بدقة معنى الدين في قوله تعالى: (إن الدين عند الله الإسلام).