في المجتمعات المتقدمة والمتطورة والرائدة نجد أن «العِلمْ» يأتي على رأس الاهتمامات والأولويات في تلك المجتمعات، وفي المجتمعات المتوسطة نجد أن «العِلمْ» يأتي ضمن قائمة الاهتمامات المُتعددة وليس على رأسها، وفي المجتمعات المُتخلفة نجد أن «العِلمْ» غائب تمام عن قائمة الاهتمامات المُتعددة التي تهتم بها تلك المجتمعات التي تتذيل مستوى التصنيفات العالمية..

من يجهل حركة التاريخ، يُصدر الأحكام القطعية على الواقع المُعاش والنتيجة القائمة من غير وعي أو إدراك مما يجعلها أحكاماً غير عقلانية وتفتقد للمنطق. من هذا المنطلق العام، الذي أصبح سائداً على مدى العقود الأخيرة في طريقة الطرح والحديث لدى العامة في المُجتمعات البسيطة، نجد هناك من يعتقد يقيناً بأن التطور والرُقي الذي وصلت له بعض المجتمعات الغربية والشرقية إنما تحقق لأسباب عديدة ومتنوعة ومختلفة ليس "العِلمْ" أحدها. نعم، لقد تفنن أصحاب هذا المُعتقد، بتفكيرهم السطحي، بذكر أسباب عديدة ومسببات مختلفة مُستقاة جُلها من حالة الانبهار البصري التي يعيشها هؤلاء بعد نظرتهم البسيطة لحال تلك المجتمعات المُتقدمة والمتطورة، مما جعلهم يُعددون ويذكرون مظاهر الحياة العامة في تلك المجتمعات كأحد أهم أسباب ومُسببات التطور والتقدم، ويجهلون أو يغفلون عن السبب الرئيس لتطور وتقدم ورقي تلك المجتمعات الغربية والشرقية. فكيف ولماذا حدث هذا التجاهل والتغافل عن السبب الرئيس للتطور والتقدم؟!

قد تكون قراءة التاريخ والتفكر في أحداثه وحوادثه فيها مشقة ومعاناة على من يستسهل استصدار الأحكام بناء على الواقع المُعاش، أو على من يرغب في تغليب أهواءه ورغباته الخاصة بناء على معتقداته وأفكاره التي يتبناها؛ فإذا كان الأمر كذلك، فإن تحكيم العقل، بعيداً عن الأهواء، من شأنه أن يُساعدنا في الوصول لإجابة أكثر منطقية وقريبة من الحقيقة التاريخية التي جعلت من بعض الأمم متقدمة ومتطورة ورائدة عالمياً. فإذا أحكمنا العقل محل قراءة التاريخ، فإن الإجابة المنطقية والعقلانية تقول بأنه لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تصل هذه المجتمعات المتقدمة والمتطورة لهذا المستوى من الريادة العالمية من غير تخطيط دقيق ومدروس، وجهود عظيمة بُذلت لتدريب وتأهيل وتعليم مواردها البشرية، واستراتيجيات قصيرة ومتوسطة وبعيدة المدى أُعدت باحترافية عالية ومنهج علمي رصين، ووضعت الأنظمة والقوانين واللوائح وتم تطبيقها بصرامة لا تستثني أياً كان، وتُبنيت أعلى معايير الحوكمة والشفافية في كل المجالات وعلى جميع المستويات. نعم، إن العقل يقول بأنه لا يمكن أن ترتقي وتتقدم المجتمعات إلا بتخطيط دقيق يُغلب المنهج العلمي ويُقصي العشوائية التي تجلب التخلف والانحطاط. فإذا كان العقل السليم يصل بالمرء إلى هذه النتيجة المنطقية التي تقول بأن العمل الجاد وبذل الجُهد حتماً يؤدي إلى النجاح، والكسل وهدر الوقت حتماً يقود إلى الفشل والضياع؛ فماذا يقول التاريخ حول التقدم والتطور الذي وصلت له الأمم الرائدة عالمياً؟

إن من يقرأ حركة تاريخ الأمم المتقدمة والمتطورة والرائدة عالمياً، يصل إلى نتيجة حتمية واحدة وهي أن "اَلعِلمْ" هو السبب الرئيس الذي جعل مجتمعات وأمم تتقدم وتتطور وترتقي وتسود عالمياً بثقافاتها وصناعاتها وعلومها المختلفة وتقنياتها الدقيقة وتكنولوجياتها غير المسبوقة في التاريخ، حتى تمكنت بالعِلم وأدواته من قيادة المجتمع الدولي والتحكم بحركة التاريخ والتأثير في مصائر الأمم والشعوب. نعم، إنها الحقيقة التي يجب إدراكها وهي أن هذه المجتمعات المتطورة والمتقدمة في يومنا هذا لم تكن كذلك قبل أن تهتم بالعِلم وأهله، ولم تكن كذلك عندما أهملت العلوم النظرية والطبيعية والصحية، ولم تكن كما هي اليوم عندما كان "العِلمْ" آخر اهتماماتها وأولوياتها وتجاهلت طلاب "العِلمْ" ورواده. نعم، إن حركة التاريخ تنطق بالحقائق عندما تقول إن مجتمعات العالم الأول اليوم كانت قبل عدة عقود أو قرون مجتمعات مُتخلفة فِكرياً يغلب عليها الجهل، ويسود داخلها الفقر والأمراض والأوبئة، وتعاني مجتمعاتها من انقسامات وصراعات وحروب داخلية لأسباب عرقية ودينية ومذهبية وفكرية وايديولوجية. نعم، لقد كانت مُجتمعات العَالم الأول، في يومنا هذا، تعيش حالة تخلف وجهل وتراجع على جميع المستويات مما جعلهم يُطلقون على تلك المرحلة من مراحل تاريخ مرحلة "عصور الظلام" بما وصلت إليه حالتهم في جميع المجالات؛ في الوقت الذي تقدمت وتطورت فيه حضارات أُخرى سادت عليهم، كما سادت على غيرهم من المجتمعات.

نعم، لقد كانت مُجتمعات العالم الأول، في يومنا هذا، مُجتمعات مُتخلفة وجاهلة وتُمثل عِبئاً على الحياة الإنسانية والمُجتمعية وتقع في مرتبة مُتدنية في تصنيفات الأمم والمجتمعات المُنتجة. نعم، لقد كانوا كذلك، إلا أنهم لم يرتضوا لأنفسهم ذلك الوضع المُتخلف وتلك الحال الوضيعة التي هم عليها؛ فقرروا أن يُغيروا من حالهم لحالٍ أفضل، ويرتقوا بمكانتهم لمكانة أعلى، ويصعدوا لمستويات عليا يستطيعوا من خلالها منافسة المجتمعات والأمم التي سادت عليهم. نعم، لقد قرروا أن يتغيروا ويتطورا ويتقدموا ويرتقوا، فدرسوا المجتمعات المُتقدمة عليهم ليتعرفوا على الأسباب الحقيقية التي جعلتهم يسودوا عليهم، وليتعلموا المنهج الحقيقي الذي مكَّن غيرهم من الريادة العالمية عليهم وعلى غيرهم؛ فوجودوا أن إهمالهم "للعِلمْ" هو سبب تخلفهم وتراجعهم، واهتمام غيرهم بالعِلم هو سبب صعودهم ورُقيهم وتقدمهم وسيادتهم عليهم وعلى غيرهم من أبناء الحضارات والثقافات. لقد شكَّلت هذه الحقيقة والنتيجة المبنية على قِراءة حالهم وواقع غيرهم نقطة تحول مِفصلية في تاريخهم حتى قادتهم خلال عقود من التحول من مجتمعات مُتخلفة وجاهلة إلى مجتمعات مُتقدمة ومتطورة ورائدة عالمياً، في الوقت الذي تراجعت فيه مُجتمعات وثقافات درجات للوراء عندما أهملت السبب الرئيس الذي جعلها مُتقدمة ورائدة على غيرها في أوقات سابقة. ومُنذُ تلك اللحظة التاريخية التي ثبت بها يقيناً أهمية "العِلمْ" وبأنه السبب الرئيس للارتقاء والتقدم، أصبح "اَلعِلمْ" بكل مجالاته وجميع مستوياته وأدواته وعناصره على رأس أولويات واهتمامات تلك المجتمعات مما مكَّنَها من أن تتقدم وترتقي وتتطور لتؤثر بحركة التاريخ وتقود المجتمع الدولي بالشكل والأسلوب والطريقة التي تتماشى مع ثقافاتها ومصالحها.

وفي الختام من الأهمية القول إن واقع المجتمعات المتقدمة والمتوسطة والمتخلفة ينبئنا مباشرة بمكانة "العِلمْ" في كل مجتمع من هذه المجتمعات. ففي المجتمعات المتقدمة والمتطورة والرائدة نجد أن "العِلمْ" يأتي على رأس الاهتمامات والأولويات في تلك المجتمعات؛ وفي المجتمعات المتوسطة نجد أن "العِلمْ" يأتي ضمن قائمة الاهتمامات المُتعددة وليس على رأسها؛ وفي المجتمعات المُتخلفة نجد أن "العِلمْ" غائب تمام عن قائمة الاهتمامات المُتعددة التي تهتم بها تلك المجتمعات التي تتذيل مستوى التصنيفات العالمية. قد تكون هذه نتيجة عرفها العالم قبل قرون معدودة، إلا أنها حقيقة قائمة ومعلومة مُنذُ أربعة عشر قرناً في الحضارة الإسلامية العريقة التي حثت على "اَلعِلمْ" منذُ بزوغ فجرها وإشعاع نورها.