على الرغم من مظاهر العظمة الأميركيّة في الصناعة والتقنية وأمور كثيرة، إلّا أن عقليّة الكاوبوي تتميّز بمهارة عسكريّة فريدة لا ينافسها فيها أحد، وتتمثّل هذه المهارة في القدرة على احتلال البلدان، ومن ثم تدميرها بذرائع إنسانيّة وحقوقيّة، وباسم السلم الدولي ومحاربة الإرهاب، ثم مغادرة البلد المحتلّ فجأة وترك الألغام الاجتماعيّة والطائفيّة والثقافيّة تتربص بكل كائن حي.

وما حوادث الخريف العربي عنّا ببعيد، حيث وضعت الإدارة الأميركيّة كلا من ليبيا وسورية وغيرها هدفاً للتغيير الاصطناعي، والنتيجة استنبات مئات الميليشيات المسلحة وعشرات الزعماء المرتزقة الذين تآمروا مع مشروعات «الفوضى الخلاقة»، فخلفوا بلدانهم في دمار مع ملايين القتلى والجرحى والمهجرين.

وقبل ذلك كانت السياسات نفسها في العراق الذي لم يعرف الهدوء منذ احتلاله من قبل الجيش الأميركي عام 2003 حتى اليوم، والنتيجة أن أصبح وأمسى العراق في قبضة الملالي ومعه سورية ولبنان واليمن، ولكن الكاوبوي لم يتعلم من دروس الحاضر ناهيك عن الماضي، فبعد قرابة عشرين عاماً من احتلال أفغانستان قرر الديموقراطيون الانسحاب من بلاد الأفغان، وبهذا تترك واحدة من أفقر بلدان العالم وأكثرها تناحراً وطائفيّة على مرمى العين من الخصمين الكبيرين للعملاق الأميركي المترنح وهما الصين وروسيا، وستلحق بهما قوى صغيرة أخرى تقتات على الفتن مثل نظام الملالي.

أمّا حركة طالبان ففي تقدم مستمر على مدار الساعة حيث سيطرت خلال فترة وجيزة على 16 ولاية، وهي تحاصر كابول من الجهات الأربع، أما رد فعل الأميركيّين فكان إعلان النيّة لإرسال ثلاثة آلاف عسكري لإجلاء موظفي السفارة الأميركيّة وبعض المتعاقدين مع الجيش الأميركي، وتعلق حركة طالبان كما أعلن المتحدث الرسمي باسمها على الوضع، مؤكدة أنها تعزز مواقعها في أفغانستان برضا الشعب.

السياسة الأميركيّة (الديموقراطية) تعتمد أسلوباً عجيباً في إدارة الصراع في الشرق الأوسط، حيث تسمح للملالي في طهران بالعمل على تهديد الأمن الإقليمي عبر غض النظر أو إطالة المباحثات حول مختلف المسائل بهدف إحراز تقدم في مسائل التطبيع العربي مع إسرائيل في وجه العدو المشترك (إيران)، ومن جهة أخرى تعهد الإدارة الأميركية للدوحة وأنقرة بمهام ملاعبة القوى المستنفرة داخل البلدان لاستغلالها في الوقت المناسب، وآخر مثال لذلك الإيعاز للدوحة بتمويل احتياجات زعماء طالبان، ودغدغة غرور «أردوغان» تحت عنوان إحلال القوات التركية (المسلمة) محل القوات الأميركية وقوات الناتو في أفغانستان لفرض الأمن السلام.

  • قال ومضى:

لو علم الخونة مكانهم في التاريخ ما خانوا ولا هانوا..