الحرية بكل معانيها ومستوياتها حق منوط به سلوك الكائن العاقل في ظل مراعاة الجمع الكلي للمحيط سواء أكان فعلاً أم رأياً أو حتى تقاليد وعادات ذلك أن الكل الجمعي هو ذلك السياج الحامي للفرد نفسه إذا ما انفك عنه أكلته آفة المعرفة القاتلة المؤدية إلى الشذوذ الفكري غير المحتمل..

بالأمس القريب كان لدينا تحفظ كبير على مفهوم الحرية لارتباطه بمفهوم الثورات القديمة لدى مجتمعات محافظة، كما أنه كان لدينا مقاومة كبيرة ضد أي مصطلح فلسفي يأخذ مساره بين المجتمعات القبلية المحافظة، بالرغم من أن كثيراً من شعر فحول الشعراء لدى الثقافة العربية يكتنفها هذا المعنى وعلى سبيل المثال ما جادت به أشعار عنترة والتي تبيَّن بعد الدراسات والأبحاث النقدية أنها جميعها تبحث عن الخلاص من قيد العبودية!

وللحرية ما يربو على تسعة عشر تعريفاً، ولذا فهي لا تختص بتعريف معجمي بعينه، وإنما دارت رحى تلك التعريفات على معنى الإرادة والفعل، وتحوصلت حول مفهوم الاختيار؛ ولذا نشأ تعريف آخر منبثق من المعنى نفسه وهو "حمى الاختيار" هي تلك القوة الدافعة على اختيار أحد المقدورين، أو اتصاف الإرادة بالقدرة على الفعل دون التقيد بأسباب خارجية وأحياناً يطلق عليها اسم القدرة، كما أن مفكري الإسلام جعلوها "إرادة تقدمها رويَّة حقيقية".

وهذا المدار من مدارات الحرية يخص المستوى النفسي فقط، ولذلك نجد نحن النقاد الدراميين ذلك بأنه أساس ومنبع الصراع سواء كان على المستوى النفسي أم الاجتماعي أو حتى السياسي، وهو ما يسبب ذلك العناء أو قل الشقاء النفسي لدى الكائن الناطق العاقل بين اختيار الفعل عن رويَّة مع استطاعة عدم اختياره أو استطاعة اختيار ضده!

وبما أننا نحن نعيش فترة نقاهة ثقافية في مجتمعاتنا العربية وبهذه النهضة الثقافية والعلمية المجيدة، كان يتوجب علينا طرح هذا المفهوم آخذين في الاعتبار ذلك الحمل الكبير الذي يحتمه علينا المصطلح من مسؤولية الحرية وخاصة حين سادت الفوضى أرجاء المجتمع العربي فاختلطت المفاهيم وتبلبلت الألسنة.

كنت أتناقش وأحد المثقفين الكبار حول هذا المفهوم، وخاصة فيما أسماه بحرية الرأي؛ وكنت لا أخالفه في هذا،إذ إن حرية الرأي والتعبير أحد مقومات الدول نفسها في الأخذ بالرأي والرأي الآخر من أجل تصويب الرأي أو الوصول إلى نقطة مشتركة بين ضدين، تعمل على إنارة الفكر والوعي والمعرفة لأنها في نهاية الأمر -أي المعرفة- مكتسبة بلا شك؛ لكنني وجدت نفسي أقول له: إن بلادنا من شرق الوطن العربي إلى غربه ومن شماله إلى جنوبه في حالة حرب، وحينما تكون البلاد في حالة حرب توجب الاصطفاف حول القائد الذي ارتضيناه، هكذا كان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحينما تستقر البلاد والأوضاع ويسود الاستقرار فلنا أن نتناقش ونطرح الإزار ليلقي كل بما عنه فيه وختمت كلامي معه بقول: (إن لكل مقام مقال) وهنا تكمن الحرية المسؤولة، بأن لا نؤذي الجميع باختيارنا ولا نقحم ذواتنا بما تحتمه الإرادة الفعلية على مصلحة الدولة مهما كانت رغباتنا مع الاحتفاظ بالحقوق الكاملة للرأي والتعبير والرغبات في مستواها ومناخها الخاص بها، إذ ينبغي حصاد المحصول الفكري في مناخ مستقر وبنّاء ونعتقد أنها ذلك التوازن المطلوب غير المراعى في ظل الحرب المصبوبة على رؤوسنا، وفي أيام لا داعي للانفراد بالكلمة والرأي وهذا ما خلق ما نراه على وسائل التواصل الاجتماعي العربي من أن كلاً يشهر سيفه رغبة في الإعلان عن وجوده هو وتلك هي المشكلة.

فالحرية بكل معانيها ومستوياتها حق منوط به سلوك الكائن العاقل في ظل مراعاة الجمع الكلي للمحيط سواء أكان فعلاً أم رأياً أو حتى تقاليد وعادات ذلك أن الكل الجمعي هو ذلك السياج الحامي للفرد نفسه إذا ما انفك عنه أكلته آفة المعرفة القاتلة المؤدية إلى الشذوذ الفكري غير المحتمل!

"إن الحرية هي الحد الأقصى لاستقلال الإرادة، العالمة بذاتها، المدركة لغايتها.. فالفاعل الحر هو الذي يقيد نفسه بعقله وإرادته، ويعرف كيف يستعمل ما لديه من طاقة، وكيف يتنبأ بالنتائج، وكيف يقرنها بعضها البعض أو يحكم عليها، فالحرية ليست مجردة من كل قيد ولا هي غير متناهية، بل تابعة لشروط متغيرة توجب تحديدها وتخصيصها وتسمى هذه الحرية بالحرية الأدبية أو الخلقية".

ونستطيع القول إن ما نراه من هرطقات باسم الحرية في أيامنا هذه -سواء على مستوى السلوك أو الفعل أو الإرادة أو الاختيار نجده نوعاً من أنواع مسميات الحرية المرفوضة وهو ما يطلق عليها مسمى حرية اللا مبالاة وقد عرفها الفلاسفة بأنها (القدرة على الاختيار غير المرجح)!

فهل نتحلى في يومنا هذا بما يطلق عليها حرية الحكيم والتي عرفها الفلاسفة بأنها ذات الصلة الوثيقة بما سبق لكنها حرية الكمال لأنها ذات طابع معياري مثالي يجعلها أكثر سمواً وشرفاً. وهي "الصفة التي تميز ذلك الحكيم الذي استطاع أن يتحرر من كل شر، ومن كل كراهية، ومن كل رغبة وهي حرية الفيلسوف الذي قد تحرر بالفعل من عبودية الأهواء، الغرائز، والجهل والذي لا يفترض هذا النوع من الحرية حالة اللا تحدد أو اللا تعيين بل هو يفترض استحالة فعل الشر".