على الرغم من أن ما طرحناه عرف ثراء نوعياً على المستوى النظري، وكمياً على مستوى التأليف والكتابة، وكيفياً على مستوى المنهج والموضوع، إلا أنه لا يزال هنالك خلل كبير في التصور لماهية السير الذاتية وذلك عند تحديد المصطلح..

تحدثت في محاضرة علمية في الرياض عن السير الذاتية "الأوتوبيوغرافيا" الفكرة والمنهج، كفن أدبي يفتقد عربياً أو لنقل شرقياً الاعتراف الشجاع، فمنذ أن كتب "روسو" اعترافاته والتي روى فيها تجربة ثلاثة وخمسين عاماً من حياته، وحظيت بإعجاب وانتشار عالمي كبير لدقة وصفه وقوة تفسيراته التأملية، والأدباء والمفكرون والسياسيون والفلاسفة ينشرون خلاصة تجاربهم وقصص حياتهم، إلا أن أدب المذكرات و"الأوتوبيوغرافيا" بهذا الوصف المنهجي الاعترافي الدقيق، والذي اكتسب عالمياً شخصية فريدة مستقلة غير موجودة في أدبنا العربي، فقد اكتنف الموجود في أدبنا العربي التبرير والمثالية، وعدم قدرتنا على فهمه داخل نسقه الفلسفي والفكري، وطوع ليخدم مسلكاً إعلامياً، فقد تلبس هذا الفن الأدبي منذ نشأته بالغموض والإبهام، وتنقل ما بين الصبغة الإعلامية والطرح الفكري، وتعددت نظرياته بتعدد موجهاته وتعدد التأثيرات الثقافية لدى وعي الباحث أو الكاتب.

وإذا كانت العلوم الإنسانية لم تبلغ مرحلة التكامل في تحديد مصطلحاتها كما هو الحال مع العلوم الطبيعية، فعلم الاجتماع مثلاً: لا تزال بعض مفاهيمه غير محددة، إلا أن "الأوتوبيوغرافيا" أو أدب المذكرات يعد حديثاً جداً مقارنة بغيره في الغرب، ولذلك فإن حداثة التجربة كمشروع ثقافي يفرض علينا فهمه وتصنيفه، وذلك لاختلاف مقاصده والمعايير الموجهة له، وإن كان يجد عمقه لدينا في التراجم، وبذلك صنف في إطار كتب التراجم، فقد ألحقته بعض المعاجم العربية بالتراجم كمظلة اصطلاحية لا تقوم على أساس فكري أو تعريف علمي، فقد أشكل هذا المصطلح على الكثيرين واختلفوا في تفسيره، وهذا عادة ما يحدث في غياب المصطلح الاشتقاقي، فالتكوينات الثقافية الحديثة التي لا تنتسب عادة لاختصاص محدد تنسب إلى حقول أخرى، وهذا يرتبط بتحديد المصطلحات وأوجه دلالتها، وذلك للوقوف على دلالات المصطلح وتتبع أصله الاشتقاقي وجذعه اللغوي.

وما يمكن ملاحظته هو تباين التعريفات، وإن كان ينظر إلى "الأوتوبيوغرافيا" على أنه العلم الذي يدرس الإنسان في تفاعلاته المختلفة، وقد انتابته تغيرات عميقة حيث تمازج وتشكل داخل حقول مختلفة كعلم النفس وعلم النفس الاجتماعي وعلم الاجتماع التجريبي والفلسفة، وإن كان هذا التداخل ليس محصوراً بحقل أدب المذكرات أو كتب الاعتراف بل يوجد في حقول أخرى، وإن كانت أغلب المصنفات الحديثة تضعه داخل النطاق الأدبي.

تخصصت على مدى أكثر من عشرين عاماً في كتابة السير الذاتية، وفي جيل البدايات بالذات، وقد تعاملت معها كفن أدبي، هذا الانحياز لكتابة السير الذاتية كان اختياراً منهجياً "ثقافي - تاريخي" وذلك لتوثيق خلاصة تجارب يمكن لها أن تندثر في وقت بعدما كانت فيه مضمورة أو تابعة لعلم التراجم.

هذه المذكرات كشفت عن رصيد معرفي من تاريخنا الحديث، وأسهمت بفاعلية في إطار التأسيس الناضج للسير الذاتية على النطاق الأدبي وبالمفهوم السائد عالميًا والتأصيل المعرفي في اتجاه التوعية بهذا الاختصاص، فالذي يطلع من قرب على حقل السير الذاتية ينظر لها كعلم أدبي مستقل بذاته، بعدما كان ينظر لها كتابعة لحقول أخرى، وإن كانت لا تزال تعاني من نقص كبير وخلل في عرض الشخصية والتجربة من حيث التعريف والمضمون، فتغيب في ثنايا المجاملات الحقيقة العلمية.

وعلى الرغم من أن ما طرحناه عرف ثراء نوعياً على المستوى النظري، وكمياً على مستوى التأليف والكتابة، وكيفياً على مستوى المنهج والموضوع، إلا أنه لا يزال هنالك خلل كبير في التصور لماهية السير الذاتية وذلك عند تحديد المصطلح، فالاستقراء الموضوعي يكشف بوضوح عن حالة الالتباس الدلالي للمصطلحات في الاستخدام، فعندما نتناول مثلاً علم الدراسات الدينية المقارنة، فإن الخلافات تتشابك حول طبيعة ومضمون هذا العلم، وفي هذا يقول د. محمد اللافي: "إن الدراسات الدينية المقارنة قديمة جداً تتسع دائرتها حيناً وتضيق أخرى بقدر اتساع معارف الناس، فلو تتبعناها زمانياً لوجدنا اختلافها من عصر إلى آخر"، إلا أنه يرى أن المسلمين كانوا سباقين في جعل الدراسات الدينية علماً مستقلاً بذاته بعد أن كان تابعاً لعلوم أخرى.

وإن كان علينا أن نفرق في الدراسات الدينية المقارنة بين الدين والفلسفة، فأقصى غاية الفلسفة هي المعرفة، أما غاية الدين فلا تقتصر على المعرفة بل لا بد من الإيمان، فالفلسفة عمل إنساني يحكمه القصور والخطأ باعتبارها عملاً عقلياً محدوداً، أما الدين -والمقصود به طبعاً الإسلام- فهو الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.