لا شيء يختزل معنى الدولة في لبنان، مثل انفجار مرفأ بيروت المروع الذي تمر ذكراه الأولى اليوم، وهنا لا تقف مغازي الانفجار على لحظة حدوثه، بل تسبقه وتليه أيضاً، فالانفجار الذي راح ضحيته أكثر من 200 قتيل، وجرح أكثر من 6 آلاف، وتشريد 300 ألف شخص، لم يكن إلا نتيجة طبيعية لحالة الفساد وانهيار فكرة الدولة في لبنان، لحساب فكرة الميليشيا والطائفية والمافيا السياسية التي تمسك بتلابيب لبنان منذ سنوات طويلة.

كما أن لحظة الانفجار ذاتها كشفت تهافت الطبقة السياسية وفقدان أدنى علامات المسؤولية الإنسانية والوطنية، إذ لم يظهر أي مسؤول لبناني كبير في موقع التفجير، وترك هذه المهمة لرؤساء ومسؤولين أجانب، لم يترددوا في إدانة النظام السياسي اللبناني وتوبيخه على الهواء مباشرة، دون أي رد أو محاولة لحفظ ماء الوجه من أي مسؤول لبناني.

أما ما بعد الانفجار فرغم مرور عام على الكارثة، ما زالت العدالة غائبة، ولم يدن متورط واحد حتى الآن، وما زال أهالي الضحايا والمشردين ينتظرون كلمة القضاء لوضع المتسببين بالفاجعة أمام القانون، وتحميلهم المسؤولية الجنائية والسياسية لإهمالهم أو تهاونهم بأرواح البشر، لكن تاريخ لبنان وقضاءه متخم بقصص غياب العدالة، وإفلات القتلة، فالقضاء في النهاية ليس إلا انعكاساً لطبيعة النظام، وعندما يكون النظام متهافتاً هشاً، ومحكوماً بالحسابات الطائفية، ورازحاً تحت ظل السلاح الخارج عن سيطرة الدولة، فلا تنتظر قضاءً مستقلاً، أو عدالة تتحقق.

الحقيقة المؤلمة في لبنان هي أنه في كل انفجار أو اغتيال أو جريمة شنيعة لا يموت الضحايا فحسب، وإنما تموت معهم الحقيقة في اللحظة ذاتها، ووقائع التاريخ المتكررة تكشف في كل مرة القاعدة السائدة في لبنان.. موت الحقيقة وحياة القاتل.