بالأمس، وأنا أتجاذب أطراف الحديث مع أحد الأصدقاء الأعزاء، عرجنا خلال حديثنا على قضية تسارع الأيام وانقضاء السنين بالنسق المتسارع الذي يلحظه الجميع، وتحدثنا عن كيف أن كبار السن في عصر الطيبين كانت تظهر عليهم ملامح النضج وعلامات الكبر ومؤشرات الشيخوخة وبوادر الهرم بشكل واضح في حال بلوغهم سن الستين، خلاف كبار السن في عصرنا هذا الذي نعيش فيه، فالكثير من كبار السن المعاصرين ما يزال يحتفظ بعنفوان شبابه ويحمل طاقة وحيوية كبيرة، ظاهرياً على الأقل، رغم أنهم بلغوا من العمر ما بلغه أسلافهم، وما ذلك في ظني إلا لتعاقب الأيام وتقارب السنين، مرحلة عمرية بدت لنا كأنها سنين وأيام خاطفة، من كبار السن الحاليين ممن بلغ بهم العمر غرة الستين عاماً أخذ يعتريه شعور بأن بلوغه هذا السن قد وقع عليه مبكراً ومبكراً جداً، مشاعره الداخلية تخبره بأنه أقل عمراً مما هو عليه. مسألة أن تسارع الأيام وتقارب السنين، وراء هذا الاعتقاد تبقى مجرد نظرية وفرضية شخصية، تحتمل الصواب وتحتمل الخطأ، وبصرف النظر عن أنها لم تعتمد على دراسة علمية ولم تأخذ أي صفة رسمية، لكنها مع ذلك تظل فرضية واردة ونظرية ممكنة، والمسألة من الأساس تحتمل أكثر من فرضية، وأكثر من نظرية، وتيرة نمط الحياة، مجريات طبيعة المعيشة، انعكاسات الحالة النفسية، مضاعفات المتاعب الصحية كلها متغيرات وعوامل يمكن أن تكون أسباباً وفرضيات في تحول وتبدل متوسط العمر عند الإنسان (ولعل السبب الذي دعا بعض الجهات الرسمية إلى التفكير في زيادة سن التقاعد بالنسبة للموظفين هي هذه الفرضية).

أخيراً، أهمس في أذن الستيني المشحون بأبعاد ذكرياته في الصبا، وأقول له: استمتع بحياتك أيها الستيني فلا تثريب عليك، وعش عنفوان الحياة بطولها وعرضها، وانعم بكل لحظة تمر عليك، لكن لا تنس وكن على يقين بأنك فعلاً قد بلغت الستين، ولا تغتر بهيئتك الخارجية فبعض المظاهر خداعة.