الحياة «معترك كبير» يتداخل ويتقاطع بين الناس، محيط عملي، وآخر اجتماعي، وأسري، وغير ذلك. لن تخلو هذه التقاطعات من المواقف والتفاصيل التي تعكرها أحياناً أو تسعدها، تبعدها وتقربها بشكل كبير، وكل يبحث عن التوازن الذي يفضي إلى الاستقرار دون تحمل أعباء المشاعر، وعلى الرغم من أن الرضا هنا لا يكتمل تماماً إلا أنها في النهاية تعتبر «لعبة توازنات» ينجح فيها من يجيد لعبها على النحو الأمثل. 

الحياة «خليط» من المواقف والمشاعر والأحداث والحوارات، جميعها أشكال متنوعة من «التواصل بين البشر»، حتى تلك النظرات الخاطفة السريعة هي تواصل يتقاطع فيه شخصان لا يعرفان بعضهما البعض، وهي دائرة محيط في الأماكن العامة، أو أماكن العمل والانتظار، وهي من حيث المبدأ نواة تواصل لا تدوم سوى لحظات قد لا يتوافق معها معظم الناس لأنها تعتبر من حيث الغرابة في مجتمعات معينة. 

إنما المحك الحقيقي هو محيط الإنسان في أماكن استقراره، مع شبكة علاقاته الاجتماعية، وهي التي يحتاج فيها إلى «التوازنات» التي تحفظ حقه في «التوافق مع الآخرين»، دون طغيان طرف على آخر على مستوى التواصل اللفظي أو الحسي أو المشاعري، لكن إجادة «فن التوازنات» لا يعني التنازل أو التخلي، إنما السمو بعلاقة الشخص مع الآخرين نحو أفق أكثر رحابة، ينتصر فيها الجانب «القيمي» أكثر من «الشخصي»، قيم التعاطي الرحب، والتقبل، والتفهم وتكريس مبدأ «الإنسانية» قبل كل شيء فلا يوجد ما يدعيه الناس بـ«الأعداء» فالعداوة المزعومة هي مجرد «سلوك» أو «مشاعر» أو ممارسات الأشخاص تجاه بعضهم يفسر على سياق المبالغة بـ«العداوة»، وإلا في حقيقة الأمر صفات العدو تختلف كلياً عن حاملي المشاعر السلبية، وبالتالي يحل هذه الإشكالية «إجادة التوازن» مع الأشخاص وتحقيق المعادلة الصعبة في التقبل أو حتى التفهم أو الإبقاء على الاختلاف في حدود القناعات دون تجاوزها حدود الاتجاهات الشخصية. 

«الوعي بالذات» و«إدراك المشاعر» هما أول أساسيات «إجادة التوازنات»، مشكلة ردود الفعل تأتي على شكل تصرفات غير واعية خرجت عن إطار التحكم العقلي، وبالتالي في محيط الإنسان يحتاج إلى أن يكون واعياً تماماً لمشاعره وأفكاره، فالإنسان بطبعه يعشق الانتصارات النفسية حتى البسيطة منها، تراها اليوم في الشوارع الأماكن العامة وتتجاوز ذلك، لكن كبح جماح هذه الرغبة يعني الانتقال إلى مرحلة من الحكمة والتعقل، وحسن التصرف مع الآخرين، إضافة إلى إحسان الظن، فالأفكار لا حدود لها ولا يمكن تأطيرها، وجنوحها طبيعي جداً لكن إجادة وزنها في حجمها الحقيقي يعني إعادة تموضعها لتفقد فرصة القيادة، وبالتالي يصبح الشخص أكثر تقبلاً وواقعية نحو التعاطي الإيجابي الذي يكرس المبادئ الإنسانية، إلى جانب فتح مساحة بيضاء للاستماع وفهم الأفكار والمواقف والدوافع. 

خلاصة القول، هي أن الإنسان - أي إنسان - يقف دائماً في منتصف دائرة العلاقات الاجتماعية، يحتاج أن يحافظ عليها ليحقق الاستقرار وذلك من خلال مهاراته وقدراته الإنسانية القوية التي يستطيع من خلالها التكيف مع أشد وأسوأ العلاقات، وتحقيق العائد الإيجابي منها.