نقاش لا يتوقف في الأروقة السياسيّة والإعلاميّة الأميركيّة حول القرار الأميركي بالانسحاب من أفغانستان بشكل كامل قبل 11 سبتمبر 2021. وحين تسمع وتقرأ تصريحات الحكومة الأفغانيّة المدعومة أميركياً وإعلانات حركة طالبان تدرك حجم التناقض في المنطلقات والرؤية بين فريقين لا يلتقيان أبداً مع أنّ تنازلات واشنطن ودعمها لقاءات الدوحة التي أصبحت أشبه بلعبة كرة الطاولة التي لا تنتهي.

يبدو أن الحسابات قد اختلفت كثيراً عن وقت حضور الأميركيين إلى أفغانستان تحت راية الحرب على الإرهاب عام 2001. آنذاك حشد الرئيس بوش الحلفاء والتعبئة وتمركزت نخبة جيشه في قاعدة "باغرام" الجويّة، (على بعد 60 كيلومتراً شمالي كابل) وباتت القاعدة مركز الحرب التي استمرت 20 عامًا اشترك فيها نحو 100 ألف جندي في ذروة الحرب على طالبان.

اليوم تواجه الحكومة الأميركيّة مآلات قرار الانسحاب ومن ذلك تأمين حياة آلاف الأفغان المتعاقدين مع الجيش الأميركي والقوات المشاركة والذين ينظر إليهم بعض الأفغان وأنصار حركة طالبان بوصفهم خونة وعملاء. ومن العجائب المنتظرة في أفغانستان أن الانسحاب الأميركي قد يجعل من أعداء أمسِ أصدقاء اليوم. وذلك أن طالبان عدوة "الاتحاد السوفيتي" السابق وحليفة الأميركان قبل الحادي عشر من سبتمبر 2001 قد تصبح صديقة "روسيا الاتحاديّة" وربما الصين لمواجهة الخَصْم الأميركي. بل إن طِهران المتربصة بكل فتنة بدأت تغازل حركة طالبان المتشددة طمعاً في جار يمكن توظيفه جنباً إلى جنب مع تأسيسها "حزب الله أفغاني" معتمدة على عناصر لواء فاطميون الذين تشبعوا عقدياً وقتالياً في سوريا وربما العراق.

يبدو أن طالبان أقوى مما سبق إذ تشير تقارير إلى أنها تسيطر على ثلث البلاد تقريباً. وزعماؤها يؤكدون أن أرضهم ترفض العسكري الأجنبي مؤكدين أن بلادهم ستكون مقبرة لمن يغامر، حتى لو كانوا من جيوش إسلاميّة. وهذه التصريحات تشير بشكل مباشر إلى تركيا التي سارعت إلى إعلان استعدادها لملء الفراغ الأمني الأميركي طمعاً في رضا الإدارة الديمقراطيّة. حتى الدور المعطى للدوحة لتنسيق وتمويل لقاءات طالبان والموفدين الأميركيين والحكومة المدعومة أميركياً انتهى إلى ما يسمى "مكتب إدارة التعاون الأمني الدفاعي في أفغانستان" الذي سيكون مقره في قطر بعيداً عن طالبان وبطبيعة الحال عن أفغانستان.

الواضح تاريخياً أن الأميركيين لا يحتملون إدارة الصراع وجهاً لوجهة لفترة طويلة وهم ماهرون فقط في ترك مناطق الصراع في فوضى ممتدة. ولهذا تركوا العراق مثقلاً بطائفيته لقمة سائغة للثعلب الفارسي بزعم زوال الخطر، ويتكرر الحال في أفغانستان بزعم تحويل التركيز الأميركي لمواجهة المنافسة الاقتصاديّة والعسكريّة مع الصين.

  • مسارات

قال ومضى:

بعض الانتظار نوع من الاحتضار..