السينما، هذا الاختراع المذهل، الاختراع الذي يجمع كل الفنون، تجلس أنت في مكانك، تفتح نافذة، ترى من خلالها، من خلال عين فنان هو المخرج، وتنفيذ طاقم عمل كبير جداً، لا يمكن أن تستوعب عدده، حكاية، تتشربها روحك، تنفذ إلى أعماقك، وتتغير من خلالها نظرتك إلى الحياة.

ومن أجمل أدوار السينما هي لفت انتباهنا إلى المهمشين في الحياة، ولا أعرف كيف فكر المخرج والكاتب لهذا الفيلم الرائع في تقديم نموذجين نعرفهم في السعودية، كاسم لمهن، لكننا لم نفكر فيهم كأشخاص، لم نهتم لمعرفتهم من الداخل، لم نكترث، ببساطة، هم خارج همنا اليومي، لذلك حين يأتي عبدالعزيز الشلاحي، ومفرج المجفل، ليلقوا الضوء عليهم، ويرووا لنا حكاية بسيطة، عن ابنة طقاقة، وابن سياف، نتذكرهم، ونصفق لعبقرية الالتقاطة.

أن يجعلك فيلم تتابع يوميات طقاقة، هذه المهنة التي تجلب الفرح لكل الأعراس في السعودية، وبالرغم من ذلك، لا نتحدث عنها باحترام، ودائماً يأتي ذكرها على شكل ازدراء، مجرد أن تجلس وتستمع وتتفرج، هذا في حد ذاته رد اعتبار لهذه المهنة ومن يقومون بها.

ميزة الفيلم أنه لم يصور بتعاطف مبالغ فيه، لم يلمع أو يبالغ أو يزور، كان فقط يروي، حتى المنافسة في المهنة، والأشكال التي تأخذها، الوجوه التي تختفي تحت النقاب، لا يبرز منها سوى العيون المملوءة بالانكسار، بعد الطرد، حتى اليد التي تبعد الدخان بزهق، كل لقطة في هذا الفيلم، كل تفصيلة، تجعلك تغرق في هذا العالم أكثر وأكثر، تشعر به وتفهمه وتعيشه.

السياف، المهنة الأخرى، المهنة الغامضة، المغلفة بالرعب، التي لا نتحدث عنها، نريدها أن تكون غامضة، لا تعنينا، لا نريد أن نفكر فيها، يأتي بها الشلاحي ويضعها على الأرض، ويرينا ابن السياف، وعمه، والمفارقة، أن بطل الفيلم، ابن السياف، الذي يحمل كل التناقضات التي جسدها باحترافية مذهلة الممثل فيصل الدوخي، يحملنا على أن نقر، أن الأحكام السريعة، والنمطية، دائماً ما تكون خاطئة وغبية.

هي قصة حب، وإذا كانت روميو وجولييت، قصة حب تحمل الكثير من الدلالات، منها ثورة الشباب والانقلاب على الموروث والصراعات التي لا تجلب سوى الخراب، فإن حد الطار، دايل وشامة، قصة حب، تعرفنا على عالم لم نكن نعرفه، وتقول لنا إن الإنسان هو الإنسان، وأنه في سبيل الحب يصنع المستحيل.

تحية إلى كل الممثلين، الذين قاموا بعمل أكثر من رائع، الأداء البسيط المذهل في بساطته، أضوى/شامة الفتاة القوية التي تعرف ماذا فعلت ولكنها لا تملك الخيار، الطقاقة أمها، ومنافستها، وعلي إبراهيم، الرائع، أود لو أتحدث عن كل أداء وكل ممثل. العمل مذهل. التفاصيل مدهشة. المخرج عبقري.

حد الطار فيلم سعودي مدهش.