إنّ عبير الراشد قد جسدت بظهورها الإعلامي كثيراً من الأمور التي تفتقدها ساحتنا الإعلامية في هذا الزمن، كالتمكن من اللغة العربية الفصحي، والإلقاء المميز، والثقة بالنفس، وعدم التوتر في أول مواجهة لها مع الحضور وسائر المتلقين..

"بأداء مميز ولغة إبداعية، قدمت الجندي عبير الراشد، وهي من منسوبات المديرية العامة للدفاع المدني، المؤتمر الصحافي لقيادات قوات أمن الحج، وبذلك باتت أول امرأة سعودية تقدم هذا المؤتمر، وفي البداية ألقت الجندي عبير التي ظهرت بزيها العسكري التحية على قيادات أمن الحج، وعدد من القيادات العسكرية في وزارة الداخلية، ثم وقفت على المنصة بكل ثقة لتقديم المؤتمر"، هكذا ورد الخبر في بعض الصحف العربية وبعض وكالات الأنباء والقنوات التلفازية.

لقد كان حضور الجندية السعودية عبير الراشد لافتًا وهي تقدم المؤتمر الصحفي لقادة قوات أمن الحج، كأول حضور نسائي أمني في مؤتمرات الحج، وقد احتفى بها كثيرون عبر وسائل التواصل الاجتماعي، معبرين عن فخرهم بأدائها ولغتها وحضورها، وعدوه خطوة نوعية، ومجالًا جديدًا للمرأة السعودية، فلا شكّ أن هذا الاحتفاء بظهور عبير ليس بصفته حدثًا جديدًا في فضاء ظل سنوات طوال قصرًا على الرجال دون النساء، بل لما اتسمت به عبير من صفات لم تكن معهودة في المجال الإعلامي، إلا فيما ندر.

كان العرب في الجاهلية يحتفلون إذا ظهر فيهم شاعر، وكان احتفاء المواطنين بظهور عبير الراشد كصنيع العرب تمامًا؛ وإذا كان الشاعر الجاهلي لسان حال قبيلته في أفراحها وأتراحها، فإن عبير الراشد قد جسدت بظهورها الإعلامي كثيرًا من الأمور التي تفتقدها ساحتنا الإعلامية في هذا الزمن، كالتمكن من اللغة العربية الفصحي، والإلقاء المميز، والثقة بالنفس، وعدم التوتر في أول مواجهة لها مع الحضور وسائر المتلقين. إنّ جملة أو عبارة قصيرة تسمعها من متحدثٍ ما كفيلة بالكشف عن قدراته اللغوية وغيرها مما يجعلك تنصرف عنه أو تصغي إليه، وهذا ما حدث لنا جميعًا مع عبير.

ومما يجدر بي ذكره في هذا السياق أنّ الفيلسوف الكبير سقراط عندما تحدث عن معرفة الأشخاص قال حكمته الخالدة: (تكلمْ حتى أراك)، في إشارة يُفهم منها أهمية الطريقة التي يتحدث بها الأشخاص أو يلقون كلامًا أو خطابًا ليُعرف مستواهم.

أمّا العرب فقد جعلوا اللسان دليلًا كاشفًا عن الشخص سواء أكان متحدثًا أم كان ملقيًا، فقالوا: (المرءُ مخبوءٌ تحتَ لسانه)، كما جعلوا الحسن والجمال للبيان والفصاحة وليس للشكل والهندام، قال أحد الشعراء:

كفى بالمرء عيبًا أن تراهُ .. له وجهٌ وليسَ لهُ لسانُ

وما حُسْنُ الرجالِ لهم بزينٍ .. إذا لم يُسعدِ الحسنَ البيانُ

ومن اللطائف في مهارة التحدُّث يقال إنه وقف رجل حسنُ الوجه، جميلُ الملبس، على أحد العلماء، فسأله فأخطأ ولحن (أي أخطأ في النحو)، فقال له العالم: البسْ على قدر لسانك!

غني عن القول إنّ اللغة العربية تتّسم بالروعة والجمال والقوة في أمور كثيرة ليس المجال مناسبًا ههنا لذكرها، لكنّ من أهمها توزيع مخارج الحروف من الشفتين إلى أعلى الحلق لتشكل ترنيمة صوتيّة قوية وواسعة، وفي هذا قال أحدهم: (أُنذركم حُسْنَ الألفاظ، وحلاوة مخارج الكلام، فإنّ المعنى إذا اكتسى لفظًا حَسَنًا، وأعاره البليغُ مخرجًا سهلًا..، صار في قلبك أحْلى، ولصدرك أمْلى).

لهذا فمما كان سببًا للاحتفاء بعبير هو تمكنها اللغوي وقدرتها على مواجهة الجمهور سواء الجمهور الحاضر أم الجمهور المتلقي على شاشات التلفزة - إذ يعدّ الاستعداد لمواجهة الجمهور من أولى الخطوات اللازمة للقضاء على نسبة كبيرة من الخوف الذي قد يشعر به الشخص في حال عدم استعداده لذلك - كما أنها حافظت على لغة جسد متزنة من حركات وإيماءات، وأحاطت الجميع بنظرها وكأنها شاعرٌ أو خطيبٌ، وكل ذلك بلغة سليمة لا تشوبها الأخطاء اللغوية المعتادة من بعض متحدثي اللغة العربية، وبتعبير راقٍ وأداءٍ سليم بصوت مفهوم واضح النبرة والتنغيم ومخارج الحروف، ما أكسبها إعجاب الجميع، ولا ريبَ أن ذلك من المهارات الأساسية في الإلقاء التي تيُسر التواصل بين الملقي وعموم المتلقين.

فهنيئا لمن فكر في إظهار مواهب عبير، وهنيئا لنا بمن ساعدها على هذا البروز الباذخ الذي ينبغي أن يكون مجالًا لإبداع أخريات فيحذون حذوها، فكثيرًا ما دُفنت أو وُئدت مهارات النساء في بلادنا بتأثير تحجر الفكر الصحوي الذي بالغ كثيرًا في حبس المرأة سنين عددًا في أغلال المنع والتحليل والتحريم.

ختامًا إن خطابنا الإعلامي يعاني ضعفًا واضحًا في أداء بعض الإعلاميين، لا سيما الإعلام المسموع، فلا يكفي أن يكون المذيع أو مقدم البرامج الجادة خريج قسم اللغة العربية أو قسم الإعلام في الجامعات ليمتلك مهارات وقدرات آداء عالية في اللغة العربية، بل لا بدّ من التدريب اللغوي الصارم والمكثف لما يتطلبه الإلقاء السليم الذي ينبغي لوزارة الإعلام أن تتولاه بتعليم مذيعيها وتدريبهم على الإلقاء الجيد والقراءة الصوتية التي تتطلب وضوح الصوت وإخراج الحروف من مخارجها؛ معبرة عن الكلمات المكتوبة ومتزامنةً مع حركات الوجه والعينين، والتدريب على النطق الصحيح لحروف اللغة العربية وعدم الخلط بينها؛ نحو الثاء والسين والذال والزاي، والالتزام بحركات الإعراب والمد بأنواعه، والوقوف عند الكلمات المضبوطة بالسكون، وتحريك الساكنين إذا التقيا، والعناية بحروف المد واللين ولاسيما ألف الاثنين التي لا يعطيها بعضهم حقها فتبدو فتحة لا ألفَ مدّ، وفهم كبير للكلمات والعبارات التي تتطلب تارة رفع الصوت للفت انتباه المستمع، وتارة أخرى خفضه، كذلك الوقوف على الكلمات التي تليها علامات ترقيم لراحة المذيع نفسه، ولكي يستطيع المستمع متابعته.

هنالك كثير من البرامج التي تُعنى بالتدريب على القراءة الصوتية، ولا غنى للمذيع عن الاستماع لقرّاء القرآن الكريم فمنهم يستطيع تعلم كثيرًا من أساسيات القراءة الصوتية.