المطلوب من الإنسان أن يتفادى أسباب التأثر السلبي، وتحصيل أسباب التأثر الإيجابي؛ وذلك بانتقاء الخلطاء الذين ينتفع بخلطتهم، والبعد عن مرافقة من يخشى منه التأثير السلبي..

من طبيعة البشر الأسوة والاقتداء؛ فالإنسان منذ صغره ينظر إلى من حوله ويقلده في تعاطي شؤون الحياة، وتتوسع دائرة تقليده كلما تقدمت به الحياة وتوسعت علاقاته، وإن كان قارئاً وجد فيما لا يحصى من تجارب الآخرين وممارساتهم ما يقتدي به، وإمكانية التأثر بالمشاهد والمعايش أو المقروء تبقى قائمة، بل المتوقع حصولها ما لم تدافع؛ لأن ركون النفس إلى ما تكرر عليها من قبيل المعارف التي تهجم على النفس من غير استئذان، وإذا كان كذلك فالمطلوب من الإنسان أن يتفادى أسباب التأثر السلبي، وتحصيل أسباب التأثر الإيجابي؛ وذلك بانتقاء الخلطاء الذين ينتفع بخلطتهم، والبعد عن مرافقة من يخشى منه التأثير السلبي، وأن يكون له من الوعي والتمييز ما ينقي به المشاعر غير المرغوب فيها متى علق به شيء منها، وفيما يلي ضوابط لا بد منها في هذا الصدد:

أولاً: مشروعية القدوة الحسنة وخطورة الخلطة السيئة، يغلب على الإنسان الانقياد لمشاعره ويسهل تقبله الشيء بواسطة الإلف المتراكم، ومن هنا كانت القدوة الحسنة من أهمِّ الاحتياطات التي يلزمه اتخاذها تحصيناً لنفسه وتهذيباً لها، وقد جاء الإسلام بالإرشاد إلى أهمية القدوة الحسنة فتكررت الآيات المرشدة إليها، ومنها قوله تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا)، ومن الواجبات المؤكدة اتباع السنة النبوية، وفي اتباع السنة والتزام هدي النبي صلى الله عليه وسلم وهدي أصحابه وتابعيهم بإحسان تتكامل أركان القدوة الحسنة، وبالمقابل حذر الإسلام من الصحبة السيئة، ونهى عن مجالسة المبطلين فقال تعالى: (وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ

عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)، والصحبة الحسنة لا تعدم منها استفادة، وإن تفاوتت، أما جليس السوء فلا يسلم من شؤمه وإن تفاوتت مراتب التأذِّي به، ومصداق ذلك حديث أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (مَثَلُ الجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالسَّوْءِ، كَحَامِلِ المِسْكِ وَنَافِخِ الكِيرِ، فَحَامِلُ المِسْكِ: إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً، وَنَافِخُ الكِيرِ: إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً) متفق عليه.

ثانياً: سلبية القياس القاصر، وأعني بالقياس القاصر هنا ما يفعله بعض الناس من الزهد في السبب بمجرد رؤيتهم من اتخذه وتعثَّر مع ذلك، ولم يفتح له بواسطته، فيقيسون على إخفاق المخفق، ويتجاهلون الاقتداء بمن لا يحصى ممن فتح الله عليه بفضله ثم باتخاذ ذلك السبب، وإنما يسلك هذا المسلك من أخطأ سبيل القدوة الحسنة وأخلد إلى الكسل وحب الراحة؛ إذ لو انفتح ذهنه على القياس السليم لاجتهد في بذل الأسباب مؤمِّلاً أن تفضي به إلى النجاح الذي أفضت بفلان الناجح إليه، ولو ارتفعت همته عن الحضيض لهان عليه أن يجرب السعي ويتوكل على الله تعالى مستعيناً به وراجياً منه أن تثمر مساعيه، ومن قصور قياسه أنه يزهد في سبب معين ثقل عليه القيام بأعبائه، فيبرر زهده فيه بما تقدم، ثم لا ينفكُّ يتعاطى أسباباً أُخرَ من جنسِ ما لا يحتاج إلى كبير جهد وعلو همةٍ، مع أن التي يفعلها تنتج أحياناً ويخفق صاحبها أحياناً، وأسوأ من الزهد في السبب لتلك الأعذار تزهيد الناس فيها، وتثبيطهم عن تجربتها، خصوصاً إذا كان المثبَّطُ من الشباب المتطلعين إلى العمل والإنجاز، فما أخطر أن توضع العراقيل أمام الشباب بحجج واهية، وأقيسة قاصرة.

ثالثاً: سلبية الزهد في التنوع والتكامل المعرفي المكتسب عن طريق القدوة الحسنة، فبعض الناس لا يتقن توسعة دائرة الاقتداء؛ لتشمل نواحي الحياة كافة، ولا يعي أن النجاح في الحياة يحتاج إلى أن يستفاد من كل صالح للقدوة في مجاله الذي هو مبدعٌ ومستقيم فيه، وأن طلب التنوع يقتضي من الشاب الناشد للخبرات أن يقتدي بأبيه فيما تراكمت له فيه خبرة من أساسيات الحياة، وأن يصغي إلى أقوال العمِّ المسنِّ والخالة المجربة إذا حكى له كل منهما تجربته مع الحياة، كما يصغي إلى الأستاذ المتمرس والمخترع المجرب إذا سرد له مسيرة حياته، فلكل من هؤلاء نمط من أنماط معالجة الأمور والاحتيال للإنجاز، ولا يستغنى بنمط عن نمط، ولكلٍّ مقامٌ يحتاج إليه فيه، ومن لم يستفد ما يحتاج إليه المقام المعين عن أهل الخبرة فيه أوشك أن لا ينجح في التعامل معه إذا وقف فيه على حين غرةٍ من أمره.