قد تبدو للوهلة الأولى أن هذه الآلة الموسيقية المنتشرة على مستوى الوطن العربي وفي الخليج والحجاز لا يعرفها أبناء نجد في خمسينات وبداية ستينات القرن الماضي الميلادي، ثقافتهم عن الموروث مختلفة، كانوا يرددون الأغاني جماعية، قد لا يعرفون غيرها وغير الشعر النبطي والمحاورة.

في غالب الأحيان كانوا يستلذون بالهجيني والعارضي والسامري، هذه الأعمال لم تكن فردية، كان غالبها يحتاج إلى مجموعات لتكتمل الصورة الفنية الباقية منّذ أثر بعيد.

عندما تعلم البعض منهم العزف على آلة السمسمية ومن ثم -عود الجالون- نمت في أفكارهم البحث عن الآلة الحقيقية التي تظهر ما في أنفسهم، كان سالم الحويل وإبراهيم بن سبعان وأبو سعود الحمادي الرجل الرحال المثقف، يعتبرون البادئين في العزف على آلة العود والفاتحين الموسيقيين في نجد.! كانوا منذهلين من صوته، يعتبرونه يفجر أحاسيسهم.

يقول عبدالله السلوم -رحمه الله-: «عندما سمعنا الدندنة بلسان ذاك الشخص، ذهلنا منه، لم نكن نتوقع أن هناك آلة أفضل من السمسمية وعود الجالون الذي نصنعه بأيدينا».

تمكنوا من طي مرحلة «عود الجالون» والاستفادة من الحقيقي..

بعد مجيء سالم الحويل من الدمام وشرائه العود من البحار الكويتي، ساهم في تحويل العمل الجماعي السامري إلى أغنية فردية، من هناك أصبح المطرب الأول في مجالس البيوت الكبيرة، حيث ابتدأت شهرته تنطلق قبل أن يسجل أسطوانات «القار»، على الضفة الأخرى كان الشاعر سليمان بن حاذور مهتماً بالقصائد وتحويلها إلى أعمال فنية، كان يجعل من بيته أيقونة لتجمع المواهب والشعراء، في تلك الحقبة أسماء كبيرة من الشعراء وأهل السامري والهجيني، بعد أن قدم فهد بن سعيد من الطائف حاملاً معه العود الذي تعب من أجل شرائه في وظيفة يسمونها «كداد نخيل»، تمرس كثيراً في العزف ورافق سليمان بن حاذور ليدخل عالم الأغنية من خلال السامري، فشل في عدد من الأسطوانات، لكنه نجح في أغنية -فكرت والمكتوب- كانوا يظنون أن البداية لا تأتي إلا مع مزاولة الموروث الذي شبوا عليه وقويت عظامهم.

في تلك المرحلة، لم يكن هناك شيء مستغرب، كانت الأمور تسير بشكل طبيعي، الناس يحتفون بهم، بعضهم يتصدر المجالس، بعد أن فتحت أسواق الأسطوانات في الديرة وأقفلت إذاعة -طامي- كان مجموعة قليلة تعزف العود الحقيقي، تمكنوا بعدها من إزالة -عود الجالون- الذي تعلموا عليه، كان صليح الفرج وعبدالله شنان -رحمهم الله- من أوائل الناس في العزف على آلة -عود الجالون- تعلم منهم بشير شنان الذي أصبح داهية المطربين بعد أن كبر عوده.

ثقافة بيت السلوم جعلت من المجموعة تحفة فنية، كان بينهم سعد إبراهيم وعبدالله بن نصار وأبو سعود وعبدالله بن سلوم وصالح الحمادي وعودة سعيد «شادي الرياض» وفهد بن سلوم وابن سعيد وغيرهم، ثقافة هذا البيت مع ثقافة «أبو سعود» جمعت فيه -السحر- من آلات موسيقية مختلفة، أصبحوا بعدها يعزفون على الكمان والناي والقانون، كان كل منهم يعزف على عدد من الآلات وسجلوا في إذاعة «طامي» العديد من الأغاني التي اشتهرت قبل مجيء الأمر في إيقاف هذه الإذاعة الخاصة.

الأعواد العراقية والسورية الأكثر رواجاً وانتشاراً بين الناس..

العود الحقيقي يدخل الرياض بشكل رسمي، كانت الأعواد السورية هي البداية والأكثر انتشاراً بين الناس..

ذات يوم التقى في «قبو» بالبحرين كل من محمد الشقير وعبدالعزيز بن دحيم -عبدالعزيز فون- هكذا كان يسكن ابن دحيم في غربته بالبحرين، الشقير نصحه في تلك اللحظة، وقال: لماذا لا تسكن معنا في الفندق؟ لكن عبدالعزيز عاجله بالرد وقال:» كيف وأنا لا أملك إلا ألفاً ومئتي ريال».

كان يعمل قبل ذلك في «المقصبة»، نصحه الشقير وقال: «لماذا لا تغير مهنتك وترحل إلى سورية تشتري آلات موسيقية وتبيعها في الرياض وتكسب بشكل أسرع.!.

هذه الفكرة دارت في رأس ابن دحيم، هكذا كانت البداية في دخول الآلات الموسيقية وبيعها بشكل رسمي في الرياض.!، سمع النصيحة وفتح -دكاناً- في الديرة. كان حينها عبدالعزيز بن دحيم المورد الأول للأعواد والكمنجات والأوتار وكل ما يلزم من قطع غيار للآلات، كبر شأن هذا المحل في بداية الستينات -1963- أضيف عليه تسجيل الأسطوانات حتى كان من أمهر المسجلين لها.

هناك في محافظة الأحساء كان الناس يتباهون بالعود ويعلقونه على جدران مجالسهم، يحتفون بهذه الثقافة الفنية يعتبرونها جزءا من تراثهم وحضارتهم، التنقل القريب بين الأحساء والرياض، ساهم أيضاً في صناعة الفنانين الموهوبين حينها ودخول العود.

لم يكن الناس ضد فكرة الموسيقى وممارسة الأبناء هوايتهم، كانوا يحتفون بهم ويفرحون في مناسباتهم.!، قبل التاريخ المشؤوم وحركة جهيمان.

قال عبدالله بن نصار -غفر الله له- كنت في بداية الستينات مستأجراً غرفة في أزقة الديرة «وسط الرياض»، وقريبة جداً من سوق الأسطوانات الملاصق للجامع الكبير، كان بعضهم يأتي ليتعلم العزف عندي، كان منهم حجاب بن نحيت، كان آتياً من القصيم، عزفت معه ولحنت له» يابو أنا».

الفكرة أن الناس تستمد رقيها من الفنون، لم تدخل عليهم أفكار أخرى، حتى بدؤوا يحملون آلاتهم متجهين إلى أستديو الإذاعة والتلفزيون بعد افتتاحها.

من مذكراته المطرب الراحل سالم الحويل عندما زرناه قبل وفاته، ليعيد لنا الصورة بعد فتح إذاعة الرياض:» كان الناس يفرحون إذا شاهدوا عازفاً أو فناناً يمشي في حارتهم متجهاً إلى الإذاعة، كانت السيارات قليلة والمشوار نعتبره قريبا، نمشي ونمشي ولا نمل حتى نصل.! دون أن يأتي أحد ويعكر صفونا».

بعد سنوات لم تكن كثيرة دُشن سوق الأعواد في «حلة العبيد/حلة الأحرار» كان دافعاً لتكوين هذه الثقافة، بدأت الناس تتلقف العود وتشتريه من السوق بالرياض، لم يستغرب أحد من وجود هذه المحلات المرخصة من وزارة الثقافة والإعلام. توسع العمل الفني أكثر وأصبحت الأغنية النجدية لها وقع وصدى في أذن المستمع، السابقون في الحجاز استمدوا الأغاني النجدية بعد وصولها لهم وعلو كعبها في مسارح الطائف، هذه ساهمت في تبني الفنانين الحجازيين فكرة الغناء النجدي رغم صعوبة كلماتها ومصطلحاتها.

تواجد الإذاعات وأجهزة تشغيل الأسطوانات ساهمت أيضاً في توسع الفكرة والأداء، التجارب على ما يبدو علمتهم كيف يصنعون العمل الموسيقي. بعضهم كان مختلطاً مع فنانين بالخارج، حيث تسجيل أسطواناتهم في البحرين والعراق قبل أن يتم تسجيلها في الرياض، هذه جعلتهم ينقلون ثقافة الآخرين لزملائهم ويستفيدون منها.

تبنى فكرة الأغنية الشعبية بدخول العود الشرقي رسميا لـلرياض، بتلك الإمكانيات التكنلوجية البسيطة، حيث كان دافعا لامتداد وتأصيل الثقافة النجدية وحضارة موروثها الجماعي.

صورة ارشيفية للراحل عبدالله السلوم مع الزميل عبدالرحمن الناصر