سبقت قرار الانسحاب من أفغانستان محادثات سلام بين الولايات المتحدة وطالبان والتي بدأت في نهاية عام 2018م ونظر إليها في ذلك الوقت على أنها نافذة للفرص ونقطة انطلاق محتملة نحو السلام في أفغانستان. تكونت المحادثات من أربع ركائز: انسحاب القوات الأميركية، وضمانات أن أفغانستان لن تصبح منصة للإرهاب، وفتح الحوار بين الأفغان، ووقف شامل لإطلاق النار. في هذا الشأن يهمنا تشخيص الركيزة الأولى من هذه المحادثات وفهمها وهي انسحاب القوات الأميركية. إن تشخيص انسحاب القوات الأميركية من أفغانستان بعد عقدين داخل أراضيها دون الأخذ بالاعتبار التباين الفكري واختلاف المواقف السياسية والاقتصادية داخل أميركا سيجعل الصورة مشوهة في ذهن المتابع، الأمر الذي سيعيق فهمه الأسباب الحقيقية التي دفعت الولايات المتحدة الأميركية إلى الانسحاب الكلي من أفغانستان وستكون سبباً لانحسار التواجد العسكري الأميركي في كثير من المناطق حول العالم.

داخل أميركا خلاف وصراع أزلي حول الهدف من التواجد الأميركي عسكريًّا خارج حدودها، وقطبا الخلاف هما تيار اليمين داخل الحزب الجمهوري وتيار اليسار داخل الحزب الديموقراطي. لقد أصبحت مواطن الاختلاف بين هذين المعسكرين تطغى على مواطن الاتفاق منذ زمن طويل، وأصبح اليوم هذا الاختلاف يمس أهم ركائز الولايات المتحدة الأميركية، وأقصد في هذا المقام وزارة الدفاع الأميركية - البنتاغون- وميزانيتها التي تعادل ميزانية وزارات الدفاع في الدول العظمى مجتمعة! فالأمن القومي يعد أولوية حيوية وجزئاً مُهِمًّا من الميزانية الفيدرالية. وفي هذا السياق تشير تقارير اللجنة المالية داخل مجلس النواب إلى أن وزارة الدفاع أنفقت 686 مليار دولار خلال تواجدها داخل أفغانستان، فضلا عن الخسائر البشرية من كلا الطرفين، وقد دفع الأفغان الثمن الأعلى، فمنذ عام 2001م قُتل ما لا يقل عن 47245 مدنيًّا في الحرب. هذه الميزانية انهكت الاقتصاد الأمريكي وتعد أهم أسباب تضخم الدين العام بحسب رأي تيار اليسار، عليه نجدهم يطالبون بخفض هذه الميزانية وتوجيهها نحو المشاريع التنموية والبنية التحتية وبرامج الصحة والرعاية الاجتماعية ومؤسسات الفكر-القوة الناعمة؛ لذلك كان قرار الانسحاب من أفغانستان محل ترحيب من قبلهم وقد ايّدت السناتور الديموقراطي اليزابيت وارين هذا القرار في بيان: "عامًا بعد عام، أخبر القادة العسكريون الكونغرس والشعب الأميركي بأننا أخيرًا قد تجاوزنا الزاوية في أفغانستان، لكننا في النهاية كنا ندور فقط في حلقة مفرغة أهدرت الأموال والأرواح ولم تغير الحالة الفكرية والاجتماعية للشعب الأفغاني". كذلك السناتور تيم كين-ديمقراطي من فرجينيا- وأحد كبار المدافعين عن إلغاء تفويض الحرب لعام 2001م الذي سمح بمشاركة الولايات المتحدة في أفغانستان، مشاركة أثقلت الاقتصاد الأميركي حسب رأيه، قال بعد قرار بايدن: "حان الوقت الآن لإعادة قواتنا إلى الوطن".في المقابل يومن تيار اليمين بأن القوة العسكرية الأميركية في الخارج تعد من أهم أدوات نشر الديموقراطية الأميركية حول العالم وأي تقصير في هذا الجانب سيهدد أمن الحلفاء والأمن القومي وبالتالي يهدد الاقتصاد، لذلك نجد هذا التيار ينتهج أسلوب ترهيب تجاه أي خطوة نحو انسحاب القوات الأميركية، وفي هذا الصدد قال زعيم الأقلية في مجلس الشيوخ ميتش ماكونيل: "إن الانسحاب المتسارع للقوات الأميركية من أفغانستان هو خطأ فادح، إنه تراجع في وجه عدو". وقالت كذلك النائبة ليز تشيني: "إن سحب قواتنا من أفغانستان بحلول 11 سبتمبر لن يؤدي إلا إلى زيادة جرأة المتطرفين الذين هاجموا وطننا في ذلك اليوم قبل 20 عامًا". نشر الديموقراطية الأميركية حول العالم يعد هدفًا استراتيجيًّا للحكومة الأميركية بغض النظر عن الانتماء الحزبي، أما الاختلاف والتباين الفكري، محل اهتمام هذا التقرير، فما زال سيد الموقف من حيث المنهج. يعتقد تيار اليمين كما ذكرنا بأن التواجد العسكري عامل أساسي لتحقيق هذا الديموقراطية، ولكن تيار اليسار على عكس هذا تمامًا ولعل ما قاله الرئيس السابق جون كينيدي يختصر المنهج الفكري الخاص بهذا التيار، حيث قال على الصعيد العسكري: "يجب أن ندرك أنه لا يمكننا إعادة صنع العالم بأمر منا.. كل أمة لها تقاليدها وقيمها وتطلعاتها الخاصة.. لا يمكننا إعادة صنعها على صورتنا".

أما على صعيد القوة الناعمة فعلى النقيض تمامًا حيث قال: "نحن غير مستعدين لفرض نظامنا على أي شخص غير راغب به، لكننا مستعدون وقادرون على المشاركة في منافسة فكرية مع أي طرف على وجه الأرض". منذ أكثر من عقدين وتيار اليسار في أميركا يحقق تقدما كبيرًا ويهيمن على صناعة القرار الأمريكي وسينتج عن ذلك بطبيعة الحال مزيد من الانسحابات العسكرية من مناطق الصراع، ولعل العراق هي الهدف التالي خصوصًا أن ذات التقرير الذي ذكر آنفا يشير إلى أن الولايات المتحدة الأميركية أنفقت 815 مليار لإعادة السلام في العراق ونشر الديموقراطية! المشهد في أفغانستان اليوم قد يوظفه طرفا الخلاف لصالحهما فمنذ أن قال الرئيس بايدن في أبريل إن الولايات المتحدة ستنهي دورها في الصراع المستمر منذ ما يقرب من 20 عامًا، سيطر مقاتلو طالبان على أكثر من 100 منطقة داخل أفغانستان، وقدر المسؤولون الأميركيون أن حكومة أفغانستان يمكن أن تسقط في أيدي طالبان في غضون ثلاث سنوات. هذا التحول المتسارع للأحداث يعود بالذاكرة إلى عام 1975م عندما أجرت الولايات المتحدة إخلاءً واسع النطاق بطائرة هليكوبتر لمجمع السفارة الأمريكية في سايغون بفيتنام، وهي عملية إنقاذ تمت بعد عامين من مغادرة الوحدات القتالية الأمريكية، فهل سيتكرر المشهد في أفغانستان؟!.