قبل عقد كامل اندلعت ثورة تونس، التي كانت أولى موجات ما سمي لاحقاً بـ"الربيع العربي"، وبدت حينها الوعود مشرقة، والمستقبل حافلاً بآمال لا حد لها، وبعد مرور كل هذه السنوات، انتهت الأحلام الكبيرة إلى واقع مرير، من كل الجوانب اقتصادياً وسياسياً، قبل أن يتردى الوضع الصحي بسبب جائحة كورونا، ليصبح بمثابة القشة التي قصمت ظهر التونسيين، ونفدت معها كل طاقة الصبر الشعبية على الفوضى السياسية وحالة الجمود التي أفرزتها المناكفات الحزبية، والصراع على غنائم الحكم، وأهملت الملفات الكبرى التي قامت من أجلها الثورة من الأساس، وأهمها توفير حياة كريمة للشعب وتحقيق العدالة الاجتماعية، وهو ما لم يتحقق للأسف، بل يمكن القول إن ما آلت إليه الأوضاع ولا سيما الاقتصادية يمثل تراجعاً عن مستوى ما قبل ثورة 2011.

من الإنصاف القول إن التجربة التونسية، مثلت النموذج العربي الأكثر سلمية في التحول السياسي ضمن عقد الثورات العربية الأخير، غير أنها بخلاف ذلك أخفقت في تحقيق أياً من طموحات وأحلام شعبها، والمتهم الوحيد في فشل بناء الدولة، هي الطبقة السياسية الحاكمة، التي انشغلت بتحقيق انتصارات صغيرة، ومصالح حزبية ضيقة على حساب مصالح الشعب، واهتماماته المعيشية الملحة، حيث ترك السياسيون مشكلات البطالة والانهيار الاقتصادي والصحي، وحولوا مجلس النواب إلى ساحة للصراعات والمشاهد المخجلة، بدلاً من بحث هموم الناس واجتراح حلول سريعة لمشكلاتهم وأزمات البلد.

التطورات الأخيرة في تونس تشرع نافذة ضوء للشعب التونسي المتعب، وتعكس توجها جاداً نحو إنهاء حالة الشلل السياسي، ومسيرة الانزلاق نحو المجهول، ولعل هذه المرحلة التونسية الجديدة تكون بمثابة ثورة تصحيحية، و فرصة لمراجعة أخطاء الثورة، وخطايا الأحزاب والسياسيين، وليس لهذا أن يتحقق مالم ينتهي الخطاب التحريضي، والتقسيمي، وولادة وعي جديد بتونس جديدة مزدهرة دون الاستئثار أو الرغبة في الهيمنة.