لم أكن أعلم حين ساقني القدر من لبنان للمملكة العربية السعودية للإقامة والعمل فيها أنني سأؤدي فريضة الحج بهذه الظروف الاستثنائية. تجربتي بحج 1442 فريدة، جعلتني أُخلق من جديد ولم يكن ذلك ممكناً لولا جهود المملكة الجبارة في إدارة وتنظيم الحج.

قدمت مثل الكثيرين عبر بوابة وزارة الحج الإلكترونية وعندما وصلتني رسالة إمكانية حجز مقعدي للحج، شكرت الله تعالى لأنه وضع الحج بأيادٍ أمينة لا تفرق بين عباده وتختار شخصاً على حساب آخر والدليل ما قابلته من أناس ينتمون لجنسيات مختلفة في الحج. بكل شفافية، تم اختيار الحجاج وفق معايير تضمن الحج بأمن وسلام ووفق آلية تعطي الفرصة لمن «استطاع إليه سبيلا» بالفعل فلم يعقه الحجز في مدة زمنية محددة. لم يكن حسن التنظيم فقط في اختيار ستين ألف حاج من أصل ما يقارب نصف مليون متقدم للحج بل أيضاً خلال رحلة الحج كاملة حيث كانت الإجراءات الاحترازية تطبّق بأدق تفاصيلها وقد تم توفير كل ما يلزم لتأدية المناسك على أكمل وجه. والملفت أن العاملين على الأرض من شرطة وغيرهم قد كرسوا نفسهم لخدمة ضيوف الرحمن وليس فقط لتأدية الواجب فتجد الواحد منهم يقدم الماء لحاج ظمآن والآخر يهمس بدعاء القبول لحاج يتضرع لله تعالى… أمثلة لا تعد ولا تحصى عن تكامل العمل الخالص لوجه الله تعالى، أمثلة جعلتني أدعو بعفوية تامة لكل من صادفتهم بالخير وللمملكة بدوام مجدها وأمنها وأمانها ولقيادتها الرشيدة وعلى رأسها خادم الحرمين الشريفين وولي عهده بأن يحفظهم الله من كل سوء ويبارك لهم في جهودهم.

هذا التنظيم والدعم المقدم قلباً وقالباً لا يمكن أن يلمسه إلا من كتب الله له الحج لأنه حوّل المشقة التي يعاني منها الحاج إلى فرصة عظيمة للتمتع بما سعى إليه. هذه الجهود الجبارة جعلت طريقي للحج مفعماً بالراحة، مكرّساً للطاعة وجعلني جاهزة لتلقي دروس الحج وما أكثرها.

حين أكرمني الرحمن ودعاني لتأدية فريضة الحج، لم يسعني قلبي من الفرح وأبرز ما خطر ببالي ثلاث نقاط. أولاً، أداء الفريضة وابتغاء رضا الله تعالى. ثانياً، محو ذنوب الماضي. ثالثاً، رفع سلسلة لا متناهية من الأمنيات للواحد الأحد ليحققها لي. وأظن أن غالبية الحجاج مثلي. ظننت أن الحج هو فقط الصلاة والدعاء وذلك من خلال أداء مناسك معينة ولم أعلم أن هذه المناسك هي للتربية.

حين دخلت مخيم مِنى ورأيت مكان إقامتي الذي يتلخص بسرير بسيط بغرفة مشتركة ليس فيها من الرفاهية شيئاً ننام فيها دون تذمر عرفت أنه بدأ ترويضي. شعرت بما يمكن أن يتعرض له أي إنسان سواء كان جندياً على الجبهة أم فقيراً أم سجيناً أم محروماً…

حين دفعني الجوع لآكل مما لم أتعود عليه وأتشارك الطعام مع أناس من مختلف الأشكال والألوان أدركت أن الله حق وخاصة أن هؤلاء الناس لا أتميز عنهم بأي شيء! أدركت أن الله ساوى بيننا حين تم اختيارنا لهذا الحج الاستثنائي وبالتالي لا يمكنني التعالي على أحد.

حين دخلت عرفة ووقفت عند جبل الرحمة ملبية كما الكل، أدركت انكساري وكم أن مصيري بيد واحد أحد إن أخذ فتّش وإن أعطى أدهش! تضرع وبكاء وسكون وسماء تكاد تتكلم. سجود وأيادٍ مرفوعة للسماء راجية وكلها يقين أن الرحمن الرحيم موجود هنا. كل مع نفسه أو بالأحرى مع الله تعالى يشاركه ما يجول بخاطره ويسأله تعالى من خير ما عنده. رُفعت الأصوات «لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك لبيك»، أدركنا أن الله قريب وأن نحمد الله على أمور تعودنا على وجودها فظننا أنها حق مكتسب وهي نعم وزعها علينا الله من ملكه هو وحده.

  • جامعة الأميرة نورة