في كتاب "مفاهيم التواصل بين الثقافات" Concepts of Intercultural Communication يشير الكاتب "ميلتون بينيت" إلى أن للثقافة معنيين مختلفين تماما؛ الأول Culture بحرف الـC الكبير يشير إلى الفن والأدب والمسرح والموسيقى، أو ما أسماها عدد من الأكاديميين بالثقافة (الموضوعية)، بيد أن هناك ثقافة أخرى (غير موضوعية) يشير إليها الكاتب بحرف الـc الصغير لتدل على الخصائص السيكولوجية التي تميز مجتمعا عن آخر، ليس بما أنتجه؛ وإنما بسلوكياته اليومية وطرق تفكيره، ولنعرف هذا النوع من الثقافة فهو ببساطة الأنماط السلوكية والتفكيرية والمبادئ التي يشترك فيها أفراد هذا المجتمع.

وتأتي هذه الثقافة على مستويين أساسيين: المستوى الاجتماعي Collectivism والمستوى الفردي Individualism، والمجتمعات العربية بشكل عام مجتمعات ذات سلطة للجماعة authoritarian collective societies مقارنة بالمجتمعات الغربية التي تميل إلى الليبرالية liberal individualistic societies.

في المجتمعات الجماعية يكون الفرد انعكاسا للجماعة، هويته جزء لا يتجزأ من هوية الجماعة التي ينتمي إليها، سواء كانت هذا الجماعة هي العائلة، القبيلة، المؤسسة الحكومية، الشركة، الدولة، الأمة العربية، الأمة الإسلامية… إلخ. فالابن يتفوق دراسيا ليرتفع اسم عائلته وليفتخر به والده أمام بقية أعضاء القبيلة، التي بدورها تفاخر به أمام بقية القبائل، والموظف المثابر يجتهد في عمله لكي تكون مؤسسته أو شركته هي الأفضل في السوق. نجد هذه الهوية أيضا في الترحال إذ يلتصق الفرد بمن هم أقرب له من ناحية الهوية.

أما المجتمعات الفردية كأميركا ودول أوروبا فتعطي الحرية للفرد لتقرير مستقبله والوصول إلى التقدير الذاتي self-actualization وهي أعلى قمة في هرم ماسلو الشهير، ولا غرابة في أن يظهر من هذه الفلسفة نظام اقتصادي كالرأسمالية يدعم المشروعات الفردية بغض النظر عن أي مبادئ أو أخلاقيات مرتبطة بهوية الجماعة.

رغم الفرق الشاسع بين المستويين إلا أنه من الصعب بمكان النظر إلى مجتمعٍ بذاته والقول بجماعيته أو فردانيته، فوسائل الاتصال أثرت تأثيرا كبيرا على عقليات الأفراد مما أدى إلى تغيير كبير في السلوكيات، فالشعب العربي ليس كله جماعي، وليس الشعب الأميركي فرداني بمجمله، وعلى سبيل المثال، فاليابان من أكثر الشعوب المحافظة على هويتها الثقافية والمتمسكة بالفلسفة الجماعية، وفي المقابل أغلبية أميركية مائلة إلى الفردانية، إلا أن في كل طرف أقلية تميل إلى الفلسفة المقابلة، ومع الازدياد في حجم هذه الأقلية تتغير التركيبة الاجتماعية، فلا يمكن عندها وصف المجتمع بأنه جماعي أو فردي، مما يفقده هويته الاجتماعية بما يترتب عليه من تغيرات ثقافية وسياسية ودينية على مستوى الفرد والمؤسسة.